إعادة هيكلة الأقسام الاجتماعية والبنية التحتية بعمالة تازة : رهان على النجاعة والعدالة المجالية

  • بتاريخ : مارس 27, 2026 - 7:11 م
  • الزيارات : 87
  • متابعة : احمد الزينبي

    تشهد عمالة إقليم تازة في الآونة الأخيرة دينامية إدارية لافتة، تجسدت في سلسلة من التعيينات الجديدة على مستوى الأقسام والمصالح التابعة للكتابة العامة، في سياق وطني موسوم بتسريع ورش اللاتمركز الإداري وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة. هذه الخطوة، التي أشرف عليها عامل الإقليم السيد رشيد بنشيخي، لا يمكن قراءتها فقط كإجراء إداري تقني، بل كمدخل أساسي لإعادة ترتيب أولويات التدبير العمومي على أساس النجاعة، الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    من منظور حقوقي، تكتسي هذه التعيينات أهمية خاصة، لأنها تعكس توجها نحو إعمال مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى مناصب المسؤولية، واعتماد معايير موضوعية ترتكز على الكفاءة والاستحقاق بدل منطق الولاءات أو الترضيات. وهو ما يشكل ركيزة أساسية لبناء إدارة مواطِنة، تستجيب لانتظارات المواطنين وتضمن لهم الحق في خدمات عمومية ذات جودة.

    إن إحداث أقسام جديدة، كقسم أنظمة المعلوميات والاتصالات، وقسم الميزانية والموارد البشرية واللوجستيك، يعكس وعيا متقدما بضرورة تحديث الإدارة ورقمنتها، بما يتماشى مع التحولات الرقمية التي يعرفها المغرب، غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إحداث هذه البنيات، بل في تمكينها من الموارد البشرية المؤهلة، وضمان استقلالية القرار الإداري، وتوفير آليات التتبع والتقييم.

    وفي هذا السياق، فإن ضخ دماء جديدة في مواقع المسؤولية، وتكليف أطر ذات تجربة وكفاءة بتدبير أقسام استراتيجية، يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية إذا ما تم دعمه بثقافة مؤسساتية قائمة على النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فمحاربة الفساد الإداري ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية تتطلب إرادة قوية، وآليات مراقبة فعالة، وحماية للمبلغين، وتكريس مبدأ الشفافية في تدبير الشأن العام.

    لقد أبانت السلطة الإقليمية بإقليم تازة ، من خلال تدخلها خلال الفيضانات الأخيرة، عن قدرة على التفاعل السريع والتنسيق المحكم عبر لجنة اليقظة، وهو ما يندرج ضمن الحق في الحماية والأمن الذي تلتزم به الدولة تجاه المواطنين، غير أن هذا التفاعل الظرفي يجب أن يتحول إلى سياسة عمومية استباقية قائمة على تدبير المخاطر، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تجعل من الكوارث الطبيعية تحديا مستمرا.

    إن الخطاب المتداول حول صرامة ونزاهة عامل الإقليم، وانفتاحه على مختلف الفاعلين، يعكس حاجة المجتمع المحلي إلى نموذج إداري جديد قوامه القرب، والإنصات، والتفاعل لكن، ومن زاوية حقوقية، يبقى التقييم الحقيقي لأي تجربة تدبيرية رهينا بمدى انعكاسها على تحسين شروط عيش المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان العدالة في توزيع الموارد.

    ختاما، يمكن القول إن ما تعرفه عمالة تازة اليوم يمثل فرصة حقيقية لإرساء نموذج محلي في الحكامة الترابية، شريطة أن يتم تحصين هذه الدينامية بالإرادة السياسية، والمشاركة المواطِنة، وتفعيل آليات التتبع والمساءلة، فالإقلاع الحقيقي لا يقاس فقط بالتغييرات الإدارية، بل بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة الناس، وترسيخ دولة الحق والقانون.

    وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة ملحّة لإعادة النظر بشكل عميق في هيكلة وأداء عدد من الأقسام الحيوية داخل العمالة، فهذه المصالح تمثل الواجهة المباشرة لانتظارات المواطنين، وهي الأكثر ارتباطاً بالحقوق الأساسية، سواء تعلق الأمر بالحق في السكن اللائق، أو في التنقل الآمن، أو في الولوج إلى خدمات اجتماعية منصفة، ومن منظور حقوقي، فإن أي اختلال أو بطء أو غياب للشفافية في تدبير هذه القطاعات ينعكس بشكل مباشر على الثقة في الإدارة ويعمّق الإحساس بالحيف المجالي والاجتماعي لذلك، فإن المرحلة الراهنة تقتضي ليس فقط تغيير المسؤولين، بل إرساء مقاربة جديدة في التدبير قائمة على النجاعة، والتخطيط الاستراتيجي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تعزيز آليات الرقابة والتقييم، واعتماد الرقمنة لتبسيط المساطر والحد من كل أشكال الريع والفساد، إنها لحظة تستدعي الجرأة في الإصلاح، والانتصار لمصلحة المواطن، وجعل هذه الأقسام رافعة حقيقية للتنمية بدل أن تظل نقطة توتر أو عائقاً أمام الإقلاع المنشود.

    كما أود، كمواطِن  حقوقي وابن المنطقة ،ومتتبع للوضع الإداري بالإقليم ، أن أوجّه عناية السيد العامل المحترم إلى ضرورة إعادة النظر في قيادة بعض المصالح الخارجية التي ظلّت على رأسها رؤساء لسنوات طويلة، وأضحى مردودها ضعيفًا، بحسب تقييم الفاعلين المحليين ومتابعة الأداء على أرض الواقع، وان الإقليم اليوم بحاجة ماسة إلى رؤساء يتسمون بالسرعة في اتخاذ القرار، والانفتاح على المواطنين، والقدرة على الاستجابة الفورية لمتطلبات الحياة اليومية، بما يضمن فعالية الخدمات وتحقيق الحقوق الأساسية للمواطنين، إعادة هذه المراجعة ليست مجرد تغيير إداري، بل خطوة استراتيجية لتعزيز الحكامة، وتحفيز الكفاءات، وتثبيت ثقة المواطن في الإدارة العمومية.