وزارة الداخلية تفتح ملفات الجماعات وغياتة الغربية بإقليم تازة ضمن الجماعات التي تثير الجدل حول تدبير المقالع

  • بتاريخ : مايو 30, 2026 - 11:00 ص
  • الزيارات : 43
  • مراسلة خاصة

    في وقت تواصل فيه وزارة الداخلية رفع وتيرة الرقابة على الجماعات الترابية في مواجهة شبهات تضخيم النفقات وتفصيل الصفقات على المقاس، تتجه الأنظار إلى جماعة غياتة الغربية بإقليم تازة، التي أصبحت بدورها محط اهتمام أجهزة المراقبة والتفتيش، على خلفية معطيات وتقارير حقوقية تتحدث عن اختلالات متعددة مرتبطة بتدبير قطاع المقالع واستغلال الثروات الطبيعية المحلية.

    وتأتي هذه التطورات بعد التقرير الحقوقي الذي أنجزته الجمعية المغربية للكرامة وحقوق الإنسان وحماية المال العام بالمغرب، والذي وصف واقع المقالع بالمنطقة بـ”الأسود”، عقب زيارة استطلاعية واستقصائية ميدانية قامت بها إلى عدد من مقالع الأحجار والرمال الواقعة بتراب الجماعة، حيث رصدت ما اعتبرته خروقات قانونية وبيئية ومالية تستوجب تدخل الجهات المختصة وفتح تحقيقات شاملة بشأنها.

    وفي هذا الإطار، وجهت الجمعية مراسلات إلى كل من وزير الداخلية ووزير التجهيز والماء ووالي جهة فاس مكناس وعامل إقليم تازة ومديرة وكالة الحوض المائي لسبو، مطالبة بإيفاد لجان مركزية تضم وزارة الداخلية والمفتشية العامة للمالية والمجلس الجهوي للحسابات من أجل التحقيق في ظروف استغلال المقالع ومراجعة مختلف الرخص المسلمة في هذا المجال، مع مساءلة جميع المتدخلين المعنيين بمنح التراخيص وإعداد الدراسات التقنية.

    كما طالبت الجمعية بفتح تحقيق حول ما وصفته بالتحايل على القانون من خلال استغلال بعض أصحاب تراخيص المستودعات الفلاحية لهذه الرخص في أنشطة صناعية مرتبطة بتقطيع الرخام وأحجار التزيين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى احترام المقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذا القطاع.

    وكشف التقرير الحقوقي أن جماعة غياتة الغربية تضم ما مجموعه 68 مقلعاً لاستخراج الأحجار، من بينها 48 مقلعاً مرخصاً، فيما تشتغل البقية خارج الإطار القانوني حسب المعطيات التي توصل إليها الفريق الحقوقي، كما أشار إلى وجود ما يزيد عن 30 معملاً للرخام يشتبه في عدم أدائها للرسوم والواجبات الجبائية المستحقة للجماعة، بحكم حصولها على تراخيص مستودعات فلاحية وتحويل نشاطها إلى وحدات لتقطيع الرخام وحجر التزيين.

    وسجل التقرير وجود اختلالات مرتبطة بالعائدات المالية المتأتية من استغلال هذه الثروة الطبيعية مع العلم ان الجماعة لا تتوفر على مقر اداري يليق بالساكنة ، وأشار إلى أن مداخيل الجماعة من المقالع لا تتجاوز 400 ألف درهم سنوياً، رغم توفر المنطقة على عشرات المقالع التي تعتبر من بين أهم المزودين للأسواق الوطنية والدولية بالأحجار والرخام، كما استند التقرير إلى شكاية سبق أن رفعها أحد مستشاري الجماعة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس، قسم جرائم الأموال، بتاريخ 20 شتنبر 2023، حول شبهات سوء التسيير والتدبير وهدر المال العام المرتبطة بضعف المداخيل المحصلة من هذا القطاع.

    وأشار التقرير إلى أن الجماعة ما تزال تعتمد تسعيرة محددة في 20 درهماً للمتر المكعب من الأحجار المستخرجة، رغم أن المستغلين يعمدون إلى تسويق المنتوج بالكيلوغرام بعد معالجته وإزالة المخلفات منه، الأمر الذي تعتبره فعاليات محلية سبباً في ضياع مداخيل مهمة على الجماعة وحرمان الساكنة من الاستفادة الحقيقية من ثرواتها الطبيعية.

    وعلى المستوى البيئي، وصف التقرير الوضع بـ”الكارثة البيئية بكل المقاييس”، مؤكداً أن آثار الاستغلال المكثف للمقالع تمتد إلى ما يقارب 20 ألف نسمة موزعين على 18 دواراً بجماعة غياتة الغربية والمناطق المجاورة لها، كما تحدث عن تدمير أجزاء واسعة من الغطاء النباتي والغابوي، بما في ذلك أشجار الزيتون المثمرة، فضلاً عن تشويه التضاريس الطبيعية للمنطقة وتحويل بعض المواقع إلى حفر عميقة ومجالات مهددة بالمخاطر.

    ورصد الفريق الحقوقي، حسب التقرير، أوضاعاً مقلقة مرتبطة بتلوث بعض المجاري المائية، من بينها وادي إيناون، حيث تحدثت فعاليات جمعوية عن قيام وحدات صناعية مجاورة بتصريف الأتربة والمخلفات مباشرة في الوادي، الأمر الذي يطرح إشكالات مرتبطة بحماية الموارد المائية واحترام التشريعات البيئية الجاري بها العمل.

    كما تطرق التقرير إلى ما وصفه بالانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية السلبية لاستغلال المقالع، مشيراً إلى أن الجماعة، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات جيواقتصادية مهمة وثروات طبيعية هائلة، ما تزال تعاني من الهشاشة وضعف البنيات التحتية وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، إضافة إلى تدهور حالة الطرق والمسالك بسبب الحركة المكثفة للشاحنات الثقيلة التي تنقل الأحجار نحو مختلف مدن المملكة.

    وفي الجانب المرتبط بحقوق الشغل، سجل التقرير وجود اختلالات تتعلق بظروف تشغيل العمال داخل عدد من المقالع والوحدات الصناعية، متحدثاً عن حالات تشغيل في ظروف لا تستوفي المعايير القانونية المتعلقة بالحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتأمين ضد حوادث الشغل، فضلاً عن تسجيل حوادث مهنية خطيرة أودت بحياة عدد من العمال خلال السنوات الأخيرة.

    وطالبت الجمعية الحقوقية بإحداث سجل لتتبع الاستغلال وإنجاز مسح طبوغرافي دقيق للمقالع، مع تجهيزها بوسائل وتقنيات حديثة للمراقبة والتتبع، وتعيين تقنيين محايدين للإشراف على عمليات القياس وتحديد الأعماق والمساحات المسموح باستغلالها، كما دعت إلى وضع ميزان لمراقبة حمولة الشاحنات على مستوى قنطرة أعراب، مزود بكاميرات للمراقبة قصد تمكين لجان التفتيش من تتبع الكميات المستخرجة وضبط أي تجاوزات محتملة.

    وكانت لجنة برلمانية قد قامت خلال الأشهر الماضية بزيارة ميدانية إلى عدد من المقالع بجماعة غياتة الغربية للوقوف على حقيقة الاختلالات والشكايات المثارة بشأنها، وسط آمال كبيرة لدى الساكنة والفعاليات الحقوقية والجمعوية في أن تُتوَّج هذه الزيارة بإصدار تقرير مفصل يُعرض على الرأي العام ويكشف نتائج المعاينات الميدانية والتوصيات المقترحة غير أنه، وإلى حدود الساعة، ما يزال الجميع ينتظر صدور هذا التقرير الذي من شأنه المساهمة في توضيح العديد من المعطيات المرتبطة بملف المقالع بالمنطقة، وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.