تازة أمام ناقوس خطر اجتماعي وحقوقي: تكرار حالات الانتحار يستوجب تحركاً عاجلاً لحماية الحق في الحياة

  • بتاريخ : أغسطس 30, 2026 - 2:46 م
  • الزيارات : 44
  •  

    قراءة : د.عبلة بن عبو

    تعيش مدينة تازة وإقليمها خلال الفترة الأخيرة على وقع تكرار مقلق لحالات الانتحار، في ظاهرة لم يعد من الممكن التعامل معها باعتبارها مجرد وقائع متفرقة أو أخبار عابرة سرعان ما يطويها النسيان، وان تواتر هذه الحالات يفرض فتح نقاش جدي ومسؤول حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تعيشها فئات من ساكنة الإقليم، ويستدعي تحركاً عاجلاً من مختلف المؤسسات والقطاعات المعنية، حمايةً للحق في الحياة وصوناً للكرامة الإنسانية.

    فالحق في الحياة ليس مجرد مبدأ أخلاقي، وإنما هو حق أساسي تلتزم الدولة ومؤسساتها بحمايته وتعزيزه ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة أسباب الهشاشة واليأس والإقصاء الاجتماعي مسؤولية مشتركة تتجاوز المقاربة الصحية الضيقة إلى مقاربة حقوقية واجتماعية شاملة، كما لا يمكن اختزال ظاهرة الانتحار في سبب واحد أو تحميل المسؤولية للأفراد والأسر وحدهم، بالنظر إلى تعقّد العوامل التي قد تتداخل فيها الجوانب النفسية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والمجالية ، ولذلك فإن أي مقاربة جادة تقتضي أولاً فهم الواقع المحلي من خلال معطيات دقيقة ودراسة ميدانية علمية، مع الاحترام الكامل لخصوصية الأشخاص والأسر المتضررة وكرامتهم.

    والحديث عن الوضع الاجتماعي بإقليم تازة يقود بالضرورة إلى طرح أسئلة مرتبطة بالبطالة، وضعف فرص الشغل، ومحدودية الاستثمار، واتساع دائرة الهشاشة، خصوصاً في صفوف الشباب، فحين يجد شاب نفسه أمام سنوات طويلة من الانتظار دون أفق مهني واضح، وحين تواجه الأسر صعوبات متزايدة في توفير احتياجاتها الأساسية، وحين يشعر المواطن بأن فرص الإدماج الاجتماعي والاقتصادي محدودة، فإن الأمر لا يعود مجرد مشكلة اقتصادية، بل يصبح مرتبطاً بالكرامة الإنسانية وبالحق في مستقبل أفضل، ومن هنا فإن مكافحة الفقر والهشاشة ليست عملاً إحسانياً أو ظرفياً، وإنما مسؤولية عمومية تقتضي سياسات اجتماعية فعالة، قادرة على تقليص الفوارق وتحسين ظروف العيش وخلق فرص الشغل ودعم الفئات الموجودة في وضعية صعبة.

    وتزداد حدة هذه الاختلالات في عدد من المناطق القروية والحضرية بالإقليم، حيث لا تزال فئات من المواطنين تواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، إلى جانب ضعف وسائل النقل، ومحدودية فضاءات الشباب، ونقص الأنشطة الثقافية والرياضية، وضعف عدد من الخدمات الأساسية. ويطرح استمرار هذه الفوارق سؤال العدالة الاجتماعية والمجالية، ومدى استفادة جميع المواطنين، دون تمييز بين سكان المجال الحضري والقروي، من حقوقهم الأساسية في الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية والثقافية.

    وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تقريب خدمات الصحة النفسية والمواكبة الاجتماعية من المواطنين، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف التجهيزات والخدمات، فالمواكبة النفسية والاجتماعية ينبغي ألا تظل خدمة محدودة أو بعيدة عن الفئات الأكثر هشاشة، بل أن تكون جزءاً من منظومة متكاملة قادرة على الاستماع والتوجيه والتدخل المبكر لفائدة الأشخاص الذين يمرون بأزمات أو أوضاع اجتماعية صعبة، وهو ما يقتضي تعزيز الموارد البشرية المتخصصة، وتقوية خدمات الاستماع والدعم، وتطوير آليات الإحالة والمواكبة، مع إيلاء المناطق القروية والنائية عناية خاصة.

    كما يتحمل المجتمع المدني بدوره مسؤولية أساسية في الوقاية والتوعية والمواكبة والدفاع عن الحقوق، باعتباره شريكاً في معالجة القضايا الاجتماعية المطروحة محلياً، غير أن المرحلة الحالية تفرض الحاجة إلى مجتمع مدني أكثر استقلالية وفعالية وقرباً من المواطنين، وقادراً على الحضور داخل الأحياء والقرى والاستماع إلى مشاكل السكان وتنظيم مبادرات للتوعية والدعم، خصوصاً لفائدة الشباب والأسر التي تعيش أوضاعاً صعبة.

    وفي هذا الإطار، ينبغي أن يخضع تدبير الدعم العمومي الموجه للجمعيات لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن وصوله إلى المبادرات الجادة والفعالة، ويفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الشابة والمبادرات الجديدة، فالمجتمع المدني فضاء لخدمة الصالح العام، وليس مجالاً مغلقاً أمام أسماء أو وجوه بعينها، كما أن الدعم العمومي ينبغي أن يكون وسيلة لتقوية المبادرات ذات الأثر الحقيقي، لا أداة لإقصائها أو إعادة إنتاج نفس النخب والفاعلين.

    وبالتوازي مع ذلك، يعيش جزء من شباب تازة حالة من الابتعاد عن العمل السياسي والجمعوي، في ظل شعور لدى بعضهم بأن المجال العام لا يزال محكوماً في أحيان كثيرة بنفس الوجوه والفاعلين، مع محدودية فرص بروز كفاءات وأسماء جديدة ،ومهما اختلفت أسباب هذا العزوف، فإن استمرار الإحساس بالإقصاء من المشاركة في تدبير الشأن العام يساهم في تعميق المسافة بين الشباب والمؤسسات.

    لذلك، فإن إعادة بناء الثقة تقتضي فتح المجال أمام الشباب، ليس فقط باعتبارهم مستفيدين من السياسات العمومية، وإنما باعتبارهم مواطنين لهم الحق في التعبير والمشاركة والمساهمة في صناعة القرار، كما أن تكافؤ الفرص في المشاركة السياسية والمدنية ينبغي أن يتحول إلى ممارسة فعلية، لأن الديمقراطية المحلية لا تكتمل دون حضور حقيقي لمختلف الفئات والطاقات والكفاءات.

    وأمام هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعداد دراسة ميدانية شاملة حول ظاهرة الانتحار بالإقليم، تجمع وتحلل المعطيات المتوفرة، وتبحث في مختلف العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والمجالية المرتبطة بها، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتفسيرات الجاهزة، وينبغي أن تنجز هذه الدراسة في إطار يحترم بشكل صارم خصوصية الأشخاص والأسر وكرامتهم، وأن تتحول نتائجها إلى سياسات وبرامج عملية للوقاية والمواكبة، بدل أن تظل مجرد تشخيص للواقع.

    إن مواجهة ظاهرة الانتحار في تازة لا يمكن أن تنتظر وقوع مآسٍ جديدة حتى تتحرك المؤسسات، كما لا يمكن أن تختزل في تدخل صحي بعد وقوع الأزمة، المطلوب هو الانتقال إلى سياسة وقائية تعالج أسباب الهشاشة، وتدعم الصحة النفسية، وتوسع فرص التعليم والعمل والمشاركة، وتقرب الخدمات من المواطنين، وتمنح الشباب مكانتهم داخل المجتمع فحماية الحق في الحياة تبدأ من توفير شروط حياة كريمة، ومن بناء مؤسسات تستمع إلى المواطنين وتستجيب لحاجاتهم، ومن مجتمع لا يترك من يمر بأزمة يواجهها بمفرده، وفي نهاية المطاف فإن كل حالة يمكن الوقاية منها هي مسؤولية تستحق أن تُؤخذ بالجدية اللازمة، لأن حماية الإنسان لا تكون فقط بالحفاظ على حياته، وإنما أيضاً بصون كرامته وحقه في الأمل وفي مستقبل أفضل.