مهرجان الزربية الوراينية بتاهلة تراث ينهض لصناعة الإشعاع السياحي والثقافي بإقليم تازة

  • بتاريخ : أغسطس 25, 2026 - 10:16 ص
  • الزيارات : 77
  • قراءة  : عبلة بن عبو

    ليست كل المهرجانات متشابهة، وليس كل احتفال بالتراث مجرد مناسبة للفرجة وتبادل المجاملات، هناك مهرجانات تنتهي بانطفاء الأضواء، وهناك مهرجانات تفتح نقاشاً حول المكان والذاكرة والهوية والمستقبل ومن هذه الزاوية، يبدو أن مهرجان الزربية الوراينية بمدينة تاهلة بإقليم تازة بدأ يخطو خطواته الأولى نحو التحول من تظاهرة موسمية إلى مشروع ثقافي وسياحي قادر على إعادة تقديم المدينة ومنطقة آيت وراين وإقليم تازة بصورة أكثر حضوراً وإشعاعاً.

    لقد نجحت الدورة الثانية في لفت الانتباه إلى منطقة تمتلك من المقومات ما يجعلها جديرة بأن تكون حاضرة في الخريطة الثقافية والسياحية الوطنية، لا باعتبارها مجرد مجال جغرافي، وإنما باعتبارها فضاءً حياً تختزن أرضه وذاكرته الكثير من الحكايات والعادات والفنون والحرف والتقاليد.

    وشكلت الندوة الفكرية المنظمة ضمن فعاليات المهرجان، تحت شعار “التنوع الثقافي المحلي دعامة أساسية لتنمية ترابية مندمجة” ، لحظة نوعية تجاوزت حدود النقاش الأكاديمي إلى استحضار سؤال التنمية والعيش المشترك، فقد تنوعت الأفكار والمشاريع والمواضيع المطروحة، واختلفت زوايا مقاربتها، لكنها التقت جميعاً عند حقيقة واحدة: أن التنوع الثقافي ليس اختلافاً يفرق، بل غنى يوحّد، ورصيداً مجتمعياً يصنع التعايش ويعزز قيم المواطنة المشتركة. ومن هذه الزاوية، أكدت الندوة أن تثمين خصوصيات المجال وتراثه وتعدده الثقافي لا ينبغي أن يبقى مجرد احتفاء بالماضي، بل أن يتحول إلى قوة حية لبناء تنمية ترابية مندمجة، تجعل من الثقافة جسراً بين مكونات المجتمع، ومن الاختلاف مصدر قوة وإبداع، ومن الانتماء المحلي أساساً لمواطنة مسؤولة ومنفتحة على المستقبل.

    والحقيقة أن أهم ما يمكن أن يحسب لهذا المهرجان ليس عدد السهرات ولا حجم الحضور فقط، وإنما قدرته على وضع الزربية الوراينية في قلب النقاش حول هوية المكان.

    فالزربية هنا ليست مجرد منتوج تقليدي يوضع في معرض ويغادره الزائر، إنها لغة أخرى للذاكرة، ألوانها وأشكالها ورموزها تحكي عن علاقة الإنسان بالجبل والطبيعة، وعن المرأة التي جعلت من الصوف مادة للإبداع، وعن تقاليد انتقلت من جيل إلى جيل دون أن تفقد روحها.

    ومن هنا، فإن الدفاع عن الزربية الوراينية لا ينبغي أن يكون دفاعاً عن حرفة فقط، وإنما دفاع عن ذاكرة ثقافية مهددة بالتحول إذا لم تجد آليات جديدة للتوثيق والتسويق والتجديد.

    ان ما يحتاجه مهرجان الزربية الوراينية اليوم هو أن يجعل من تاهلة نفسها جزءاً من المنتج الثقافي والسياحي، فليس من المنطقي أن يأتي الزائر لمشاهدة الزربية والتبوريدة والسهرات ثم يغادر دون أن يعرف شيئاً عن تاريخ المنطقة، أو طبيعتها، أو عادات أهلها، أو منتجاتها المجالية، أو المسارات التي يمكن اكتشافها في محيطها.

    لماذا لا يتحول المهرجان إلى بوابة سياحية لاكتشاف تاهلة وآيت وراين؟

    لماذا لا تكون هناك مسارات مرافقة للمهرجان، تقود الزائر إلى مناطق طبيعية ومواقع ذات قيمة تاريخية، وتعرفه بالمطبخ المحلي، وبالحرف، وبالمنتوجات المجالية، وبطرق صناعة الزربية؟ السائح المعاصر لا يبحث فقط عن منصة موسيقية أو معرض تجاري؛ إنه يبحث عن قصة يعيشها، ومكان يكتشفه، وذاكرة يحمل منها شيئاً معه، والتبوريدة بدورها شكلت إحدى علامات القوة في المهرجان، بحضور السربات والفروسية التقليدية التي تستقطب جمهوراً واسعاً، لكن التبوريدة يمكن أن تكون أكثر من عرض جماهيري، يمكن أن تتحول إلى مدخل للتعريف بتاريخ الفروسية بالمنطقة، وعلاقة الخيل بالقبيلة والمجتمع، وبالمناسبات والاحتفالات الشعبية وهنا يظهر الفرق بين مهرجان يقدم الفرجة ومهرجان يصنع الثقافة واليوم نحن في حاجة إلى مهرجانات تجعل الجمهور يصفق، نعم، ولكن تجعله أيضاً يتساءل ويتعلم ويكتشف.

    الاحتفاء بالنجاح مطلوب، ولكن النقد البناء أكثر ضرورة فبعد انقضاء أيام المهرجان، ينبغي أن نطرح السؤال الذي قد يكون أهم من كل الأسئلة الأخرى:

    ماذا سيبقى؟ هل ستجد الصانعة الوراينية سوقاً أوسع لمنتوجها؟ وهل ستتحول الزربية إلى علامة معروفة خارج المنطقة؟ ،هل سيستمر الزوار في القدوم إلى تاهلة بعد انتهاء المهرجان؟ هل ستتحول الندوات والورشات إلى مشاريع حقيقية؟، هل سيتم توثيق الزربية الوراينية، وتقنيات صناعتها، ورموزها وأشكالها، وشهادات النساء اللواتي حافظن عليها؟ ،وهل سنتمكن من نقل هذه المعرفة إلى الجيل الجديد؟

    إذا كانت الإجابة إيجابية، فإن المهرجان يكون قد نجح في تجاوز منطق المناسبة إلى منطق التنمية، أما إذا ظل كل شيء مرتبطاً بأيام محدودة من السنة، فإننا سنكون أمام مهرجان ناجح جماهيرياً، لكنه لم يستثمر بعد كل إمكاناته الثقافية والسياحية.

    ومن وجهة نظري، فإن إحدى أهم الخطوات التي ينبغي أن ترافق الدورات المقبلة هي توسيع الحضور العلمي والأكاديمي، فالتراث لا يعيش بالفرجة وحدها.

    نحتاج إلى المؤرخ، والأنثروبولوجي، والباحث في التراث، وأستاذ الجامعة، والمهتم بالفنون الشعبية، والمختص في الصناعة التقليدية، وخبير السياحة، والباحث في الاقتصاد الاجتماعي.

    ونحتاج إلى ندوات جادة تبحث في تاريخ آيت وراين، وفي رموز الزربية الوراينية، وفي دور المرأة في حفظ الذاكرة، وفي مستقبل الحرف التقليدية، وفي إمكان تحويل المنتوج التراثي إلى علامة اقتصادية وسياحية.

    كما ينبغي ألا تظل المنصات العلمية مغلقة على أسماء محدودة، بل يجب فتح المجال أمام باحثين شباب وطلبة وأطر جامعية من إقليم تازة ومن مختلف الجامعات المغربية، حتى يصبح المهرجان مختبراً لإنتاج المعرفة حول المنطقة.

    وإذا كانت الزربية الوراينية تستحق أن تكون سفيرة للمنطقة، فإن الوقت مناسب للتفكير في توسيع دائرة التعريف بها.

    يمكن مستقبلاً استضافة تجارب مغربية من مناطق مختلفة تشتهر بالزربية والنسيج، إلى جانب تجارب دولية لها تاريخ في المحافظة على الصناعات التقليدية وتثمينها.

    فالحرفة تحتاج إلى التجديد، والتسويق يحتاج إلى الاحتراف، والمنتوج التراثي يحتاج إلى مواكبة التصميم الحديث دون أن يفقد هويته.

    وهكذا يمكن أن تصبح تاهلة فضاءً للحوار بين التراث والأصالة من جهة، والابتكار والسوق من جهة أخرى.

    ومن الإنصاف ألا نكتب عن المهرجان دون التوقف عند أولئك الذين اشتغلوا بعيداً عن الأضواء.

    فالموظف الذي واصل عمله خارج الوقت الرسمي، والعامل، والتقني، والمتطوع، والكهربائي الذي تدخل في الوقت المناسب، والمنظم الذي ظل يتابع التفاصيل الصغيرة، كل هؤلاء يشكلون الوجه الآخر لأي نجاح.

    ومن هنا كانت مبادرة تكريم المتطوعين والمتطوعات خطوة تحمل قيمة رمزية كبيرة؛ لأنها تقول إن المهرجان ليس ملكاً لمن يظهر فوق المنصة فقط، وإنما هو ثمرة جهد جماعي ، والمدن لا تبني مهرجاناتها بالمال والإمكانيات فقط، وإنما تبنيها أيضاً بروح التطوع والانتماء والمسؤولية

    المطلوب الآن: مهرجان له أثر والمطلوب من الدورة المقبلة ليس بالضرورة المزيد من السهرات، وإنما المزيد من الأفكار، نريد مهرجاناً له أثر اقتصادي على الصانعات والحرفيين، نريد فضاءً دائماً للزربية الوراينية، نريد أرشيفاً رقمياً يوثق تاريخها ورموزها ونريد ورشات للأطفال والشباب حتى لا تنقطع الصلة بين الأجيال، ونريد مسارات سياحية مرتبطة بالمهرجان، نريد منتوجات محلية تحمل هوية تاهلة وآيت وراين،

    نريد حضوراً أقوى للباحثين والجامعات، ونريد انفتاحاً أكبر على الإعلام الوطني والدولي وعلى التجارب الثقافية الناجحة، واعلام حقيقي يوثق المرحلة ويعطيها نغمة قوية تسحر الزائر .

    تاهلة لا تحتاج إلى البحث عن هوية جديدة؛ هويتها موجودة في الذاكرة، وفي الجبل، وفي الزربية، وفي الفروسية، وفي المرأة الوراينية، وفي الحكايات الشعبية، وفي الإنسان الذي ظل يحافظ على هذه العناصر رغم تغير الزمن ما تحتاجه هو أن تُقرأ هذه الهوية بطريقة جديدة وأن تتحول من ذاكرة محلية إلى قصة سياحية ومن منتوج تقليدي إلى علامة، ومن مهرجان إلى موعد وطني، ومن مدينة تمر بها القافلة إلى مدينة يقصدها الزائر وهذا هو التحدي الحقيقي.

    إن مهرجان الزربية الوراينية بتاهلة أثبت أن الاستثمار في الثقافة يمكن أن يفتح أبواباً جديدة أمام الإقليم. وأثبت كذلك أن المناطق التي تمتلك تراثاً أصيلاً تستطيع أن تصنع لنفسها مكاناً في المشهد السياحي والثقافي إذا أحسنت تقديم هذا التراث وتسويقه وحمايته.

    لكن النجاح الحقيقي لن يقاس فقط بما حدث خلال أربعة أيام من الاحتفال، بل بما ستفعله تاهلة بهذا الرصيد طوال السنة.

    فالزربية الوراينية يمكن أن تكون أكثر من خيط وصوف ولون؛ يمكن أن تكون جواز سفر ثقافياً لآيت وراين، والتبوريدة يمكن أن تكون أكثر من فرجة؛ يمكن أن تكون ذاكرة حية، والمهرجان يمكن أن يكون أكثر من مناسبة؛ يمكن أن يصبح مشروعاً لصناعة وجهة سياحية جديدة بمدينة تاهلة إقليم تازة .

    وحين ينجح التراث في جذب السائح، ويجد الحرفي فيه مصدر رزق، ويجد الباحث فيه مادة للدرس، ويجد الشاب فيه فرصة للإبداع، وتجد المدينة فيه وسيلة للإشعاع، نكون أمام مهرجان أدى وظيفته الحقيقية.

    من هنا يبدأ الرهان: أن لا تنطفئ أضواء المهرجان بانتهاء آخر سهرة، بل تستمر في إضاءة الطريق نحو تاهلة وآيت وراين وإقليم تازة.