احترموا المغاربة، فالصراعات والكلمات النابية والاتهامات تحت قبة البرلمان لا تصنع المصداقية ولا تكسبكم ثقة المواطنين

  • بتاريخ : أكتوبر 25, 2026 - 11:19 م
  • الزيارات : 43
  • بقلم: أحمد الزينبي

    مع تشكيل الحكومة الجديدة، دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة حملت معها انتظارات واسعة لدى المواطنين، الذين تطلعوا إلى تجديد النخب، وضخ دماء جديدة في تدبير الشأن العام، وإعطاء نفس ديمقراطي للعمل الحكومي والبرلماني، وقد أثار اختيار التشكيلة الحكومية نقاشاً واسعاً، خاصة بشأن استمرار بعض الوجوه الوزارية التي سبق لها تحمل المسؤولية، مقابل حضور أسماء جديدة عُلّقت عليها آمال في إحداث التغيير المنشود.

    ولم يكن اهتمام المغاربة بالتشكيلة الحكومية مجرد فضول سياسي، بل تعبيراً عن رغبة حقيقية في رؤية حكومة قادرة على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، وتقديم حلول ملموسة لمشاكل التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية، إلى جانب محاربة الفساد وتعزيز الثقة في المؤسسات.

    وفي ضوء هذه الانتظارات، برز النقاش البرلماني حول البرنامج الحكومي باعتباره محطة أساسية لتقييم الأهداف المعلنة، ومناقشة آليات تنفيذها والميزانيات المرصودة لها، والوقوف على مدى قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، فالديمقراطية لا تعني اتفاق الحكومة والمعارضة، بل تقوم على اختلاف البرامج والاختيارات، وممارسة الرقابة والمساءلة في إطار احترام المؤسسات والقانون.

    غير أن الممارسة السياسية لا ترقى دائماً إلى مستوى هذه الانتظارات، حين يتراجع مضمون النقاش أمام السخرية والتقليل من الخصوم، وتتحول بعض المداخلات إلى سجالات شخصية ومزايدات سياسية، يكون هدفها إحراج الطرف الآخر أكثر من تقديم مقترحات تخدم المواطنين ويزداد الإشكال حين تنخرط الأغلبية والمعارضة في الأسلوب نفسه، فيصبح الانتصار في المواجهة الكلامية أهم من مناقشة السياسات العمومية وتقييم نتائجها.

    وأمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى التمييز بين الاختلاف السياسي المشروع والمزايدات التي لا تخدم المصلحة العامة، فالمواطن المغربي لا ينتظر من ممثليه إخفاء خلافاتهم، بل يريد اختلافاً مسؤولاً يستند إلى الحجج والأرقام والمعطيات، ومن حق المعارضة أن تنتقد أداء الحكومة وتكشف أوجه القصور في تدبيرها، كما أن من حق الأغلبية الدفاع عن اختياراتها وتوضيح حصيلتها، لكن قيمة هذا التنافس تظل مرتبطة بقدرته على تحسين السياسات العمومية، وتقديم البدائل، والدفاع عن مصالح المواطنين.

    ومن هذا المنطلق، تظل مسؤولية البرلمان أكبر من مجرد احتضان المواجهات السياسية، باعتباره مؤسسة دستورية تضطلع بمهام التشريع ومراقبة العمل الحكومي ومناقشة القضايا التي تهم المجتمع ولذلك، لا تُقاس قيمة النائب بحدة عباراته أو بقدرته على إثارة الجدل، وإنما بمدى إسهامه في تطوير القوانين، ومساءلة المسؤولين بالحجة والدليل، والدفاع عن انتظارات المواطنين.

    وتتضاعف مسؤولية هذه المؤسسة حين ينتقل الخلاف السياسي من مناقشة البرامج إلى تبادل اتهامات خطيرة تتعلق بالفساد أو المخدرات أو الاغتناء غير المشروع، فمثل هذه القضايا لا ينبغي توظيفها لمجرد تسجيل نقاط سياسية أو إحراج الخصوم أمام الكاميرات، وإذا توفرت معطيات جدية بشأن أفعال يجرّمها القانون، فإن المسؤولية تقتضي إحالتها على الجهات المختصة وفق المساطر القانونية، مع احترام قرينة البراءة وحقوق جميع الأطراف، فمحاربة الفساد لا تتحقق بتبادل الاتهامات، بل بالتحقيق الجاد والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    ولا يقف تأثير هذه السجالات عند حدود قبة البرلمان، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مجالاً رئيسياً لتداول التصريحات السياسية وتحليلها والتعليق عليها،ورغم ما تتيحه هذه المنصات من فرص لمتابعة الشأن العام ومساءلة المنتخبين، فإنها قد تتحول أيضاً إلى مجال للتضليل والتشهير عندما تُقتطع التصريحات من سياقها أو تُقدَّم الادعاءات باعتبارها حقائق ثابتة  لذلك، تظل المسؤولية في نقل المعلومة، والتمييز بين الوقائع والاتهامات، والوضوح بشأن المصالح المرتبطة بالمحتوى المنشور، عناصر ضرورية لنقاش عمومي سليم.

    وأمام هذا التدفق المتواصل للمواقف والتصريحات، يجد المواطن نفسه أمام ضرورة التمييز بين الخطاب السياسي والحصيلة الفعلية، فهو يتابع مواقف الفاعلين السياسيين ويسجل وعودهم، ثم يقارنها بالنتائج، ولا تكفيه التصريحات المتكررة أو الخطابات الرنانة بقدر ما ينتظر حلولاً عملية تنعكس على حياته اليومية، ومن هنا، فإن تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات قد يرتبط باتساع الفجوة بين الوعود والإنجازات، وبالشعور بأن الصراعات السياسية تستحوذ على الاهتمام أكثر من القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

    وقد ينعكس هذا التباعد بين الخطاب والواقع على علاقة المواطن بالسياسة، بما في ذلك موقفه من المشاركة الانتخابية، ولا يمكن اختزال العزوف الانتخابي في سبب واحد، فهو ظاهرة تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها ضعف الثقة في الأحزاب، والشك في قدرة الانتخابات على إحداث التغيير، والشعور بأن البرامج السياسية لا تستجيب للأولويات الاجتماعية لذلك، فإن فهم هذه الظاهرة يحتاج إلى معطيات موثوقة، فيما تقتضي معالجتها الانتقال من الدعوات إلى المشاركة إلى ممارسة سياسية تعيد الاعتبار لصوت المواطن وتجعله يشعر بجدوى اختياره.

    ولذلك، فإن معالجة أزمة الثقة تقتضي انتقالاً فعلياً من تشخيص الاختلالات إلى تحمل المسؤولية وتقديم البدائل فالحكومة مطالبة بجعل حصيلتها قابلة للتقييم، وتقديم المعطيات المتعلقة بتنفيذ التزاماتها، والأغلبية مطالبة بتحمل مسؤولية اختياراتها والدفاع عنها بوضوح، فيما يتعين على المعارضة ممارسة رقابة جادة وتقديم بدائل واقعية كما أن الأحزاب مطالبة بتجديد خطابها، وتأهيل كفاءاتها، وتعزيز تواصلها مع المواطنين، بما يجعل العمل السياسي أكثر ارتباطاً بالانتظارات المجتمعية.

    وبناءً على ذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في حدة المواجهات السياسية، بل في قدرة المؤسسات على تحويل الاختلاف إلى نتائج ملموسة، فالمغرب لا يحتاج إلى صراع دائم بين الحكومة والمعارضة، وإنما إلى منافسة ديمقراطية حقيقية تتعدد فيها الآراء والبرامج، وتُحترم فيها الاختلافات، وتُحسم الخلافات عبر المؤسسات والقانون.

    في النهاية، على الفاعلين السياسيين أن يدركوا أن احترام المواطنين يبدأ من احترام مستوى النقاش الذي يُقدَّم إليهم، وأن المصداقية لا تُبنى بالكلمات النابية أو الاتهامات المتبادلة، بل بالعمل الجاد والوفاء بالوعود والاستعداد للمحاسبة، فالسياسة ليست مجالاً لتصفية الحسابات، والبرلمان ليس منصة للاستعراض، والانتخابات ليست شيكاً على بياض، بل أدوات لخدمة المجتمع وتحقيق المصلحة العامة، والثقة التي ينتظرها السياسيون من المغاربة لا تُكتسب بكثرة التصريحات، وإنما بممارسة مسؤولة تُثبت للمواطن أن صوته مسموع، وأن مشاركته قادرة على إحداث تغيير ملموس في حاضره ومستقبل بلاده.

    بقلم :أحمد الزينبي

    رئيس الجمعية المغربية للكرامة وحقوق الانسان وحماية المال العام بالمغرب