من شارع بمدينة فاس إلى قاعة المحكمة… كيف تحولت مشادة إلى ملف يتابع فيه أستاذة جامعية وشقيقتاها؟

  • بتاريخ : يوليو 12, 2026 - 10:46 م
  • الزيارات : 27
  • متابعة

    لم يكن مساء 16 يونيو 2026 يومًا عاديًا بحي ملعب الخيل بمدينة فاس. فمشادة نشبت بين عدد من الأشخاص سرعان ما تحولت، بحسب ما تتضمنه محاضر الشرطة القضائية، إلى واقعة انتهت بإصابة شخص بكسر خطير على مستوى الساق، قبل أن تنتقل تفاصيلها من مسرح الحادث إلى أروقة المحكمة الابتدائية بفاس.
    وتشير وثائق الملف إلى أن المشتكي عادل العرقوبي صرح أمام الضابطة القضائية بأنه تعرض لاعتداء من طرف مجموعة من النساء، من بينهن الدكتورة “س ت” وشقيقتاها “س ت” و”ح تو”، إضافة إلى متهمة أخرى. ووفق روايته، فقد تعرض للدفع والركل والرفس، قبل أن يسقط أرضًا ويصاب إصابة بليغة استدعت نقله على وجه السرعة إلى المستشفى.
    وفي المقابل، قدمت المتهمات رواية مغايرة، حيث أنكرت الاستاذة الجامعية “س ت” مشاركتها في أي اعتداء جسدي، مؤكدة أنها حضرت إلى المكان بعد اندلاع الخلاف، وأنها وجدت المشتكي بعد وقوع الأحداث. كما نفت باقي المتهمات ارتكاب الأفعال المنسوبة إليهن، مع اختلاف في تفاصيل الروايات حول كيفية اندلاع النزاع وتطوره.
    وأثناء البحث، انتقلت عناصر الشرطة إلى مكان الواقعة، كما قامت بمعاينة الكاميرات الموجودة بمحيط الحادث، غير أن المحاضر تشير إلى أن بعضها لم يكن يغطي مكان الواقعة، بينما كان بعضها الآخر خارج الخدمة، وهو ما حال دون الحصول على تسجيل يوثق لحظة الاعتداء.
    ومن أبرز الوثائق المدرجة في الملف شهادة طبية أنجزت لفائدة المشتكي، تثبت إصابته بكسر مفصلي كامل على مستوى أعلى عظمة الساق اليمنى، وهي إصابة استوجبت تدخلًا جراحيًا وتثبيتًا بواسطة صفائح معدنية، مع تحديد مدة العجز المؤقت في ستين يومًا، ما لم تظهر مضاعفات. وتعد هذه الشهادة من أهم عناصر الإثبات المتعلقة بوجود الإصابة، في حين يبقى تحديد المسؤولية الجنائية عن إحداثها من اختصاص المحكمة بعد تقييم جميع الأدلة.
    وبعد انتهاء البحث، أحيل المتابعون على النيابة العامة، قبل أن يمثلوا أمام المحكمة الابتدائية بفاس. وخلال جلسة 7 يوليوز 2026، قررت المحكمة تأجيل القضية إلى 21 يوليوز 2026، من أجل استدعاء الشهود عن طريق النيابة العامة، باعتبار أن شهاداتهم قد تساعد على توضيح الوقائع وحسم التباين القائم بين تصريحات الأطراف.
    وتكشف وثائق الملف كذلك أن المحكمة قررت تمتيع إحدى المتهمات، “ش ع”، بالسراح المؤقت مقابل أداء كفالة مالية، في حين رفضت طلب السراح المؤقت لفائدة “س ت” و”ح ت”، اللتين بقيتا رهن الاعتقال الاحتياطي في انتظار مواصلة المحاكمة.
    غير أن هذا الملف استقطب اهتمامًا واسعًا، ليس فقط بسبب طبيعة الوقائع، وإنما أيضًا بسبب الصفة المهنية لإحدى المتابعات. ف”س ت” ليست شخصًا عاديًا، بل هي أستاذة جامعية بكلية العلوم الاقتصادية والتدبير بفاس، ، وعضوة بإحدى النقابات. وهي مسؤوليات تجعل الرأي العام يتابع القضية باهتمام، بالنظر إلى ما تمثله الجامعة من فضاء للتربية على قيم الحوار والاحتكام إلى القانون.
    ولا شك أن المحكمة ستبني قناعتها على ما سيعرض أمامها من تصريحات ووثائق وشهادات، بعيدًا عن أي انطباعات مسبقة. فالقضاء وحده هو صاحب الاختصاص في تحديد الوقائع وترتيب المسؤوليات، مع بقاء قرينة البراءة مكفولة لكل متابع إلى أن يصدر حكم نهائي.
    ومع ذلك، فإن هذه القضية تعيد إلى الواجهة نقاشًا مجتمعيًا لا يقل أهمية عن الجانب القضائي، وهو مدى ارتباط المكانة الأكاديمية بالمسؤولية الأخلاقية. فالمجتمع لا ينتظر من الأستاذ الجامعي أن ينقل المعرفة فحسب، بل أن يجسد في سلوكه اليومي قيم الرصانة، والحوار، وضبط النفس، واحترام القانون، وهي القيم التي تشكل جوهر الرسالة الجامعية. ومن هنا، فإن هذا الملف، مهما كانت مآلاته القضائية، يظل مناسبة للتأكيد على أن المناصب العلمية الرفيعة تقترن دائمًا بمسؤولية أخلاقية مضاعفة، وأن ثقة المجتمع في مؤسساته التعليمية تقوم على العلم والسلوك معًا.