متابعة : عبلة بن عبو
يعيش إقليم تازة اليوم على وقع مفارقة سياسية وتنموية عميقة؛ فالمدينة تُعرف تاريخياً بكونها منبعاً للعلم والمعرفة، ومشتلاً للكفاءات والأطر العليا في مختلف المجالات، تجد نفسها في مواجهة واقع تنموي هش، ومشهد سياسي مرتبك، أفقد جزءاً واسعاً من الساكنة الثقة في العمل السياسي وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث التغيير المطلوب.
تازة لم تكن يوماً مدينة فقيرة في طاقاتها البشرية، بل على العكس، أنجبت عبر عقود أطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين وقضاة وإداريين ورياضيين وفنانين يشغلون اليوم مواقع مهمة داخل المغرب وخارجه، غير أن المفارقة الكبرى تكمن في كون هذه الكفاءات التي نجحت وطنياً ودولياً، بقيت بعيدة عن تدبير الشأن المحلي، وكأن المدينة فقدت القدرة على استرجاع أبنائها للمساهمة في بنائها التنموي والسياسي.
وفي مقابل هذا الغياب، ظل المشهد السياسي المحلي محكوماً بمنطق تقليدي قائم على إعادة تدوير نفس الوجوه والأسماء داخل الجماعات الترابية والمؤسسات المنتخبة، في ظل حضور واضح لشبكات النفوذ العائلي والسياسي، التي نجحت لسنوات في التحكم في مفاصل القرار المحلي، ما أدى إلى إضعاف التداول الديمقراطي الحقيقي، وتحويل الانتخابات في كثير من الأحيان إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج نفس النخب.
هذا الواقع خلق حالة من الاحتقان الصامت داخل الإقليم، خاصة مع استمرار الاختلالات التنموية التي تعيشها العديد من الجماعات القروية والحضرية، فرغم توفر الإقليم على أربع جماعات حضرية وأزيد من ثلاثين جماعة قروية، ما تزال عدة مناطق تعيش عزلة حقيقية بسبب ضعف البنيات التحتية، واهتراء الطرق والمسالك، وغياب النقل الكافي، إلى جانب الخصاص الواضح في الخدمات الصحية والاجتماعية، واستمرار معاناة الساكنة مع البطالة والهشاشة وضعف فرص الاستثمار.
ومن زاوية سياسية، أصبح جزء كبير من المواطنين يعتبر أن أزمة تازة ليست فقط أزمة مشاريع أو إمكانيات، بل أزمة تدبير ورؤية ونخب، إذ يرى متتبعون للشأن المحلي أن الإقليم ظل لسنوات رهين حسابات انتخابية ضيقة، غلب عليها منطق الولاءات والعلاقات الشخصية والعائلية، بدل منطق الكفاءة والاستحقاق وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وقد زادت المتابعات القضائية التي طالت عدداً من الرؤساء والمنتخبين، سواء الحاليين أو السابقين، على خلفية ملفات مرتبطة بتدبير المال العام، من تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، ورغم أن القضاء يبقى الجهة الوحيدة المخول لها البت في هذه الملفات، فإن تكرار هذه القضايا خلق انطباعاً عاماً لدى الساكنة بوجود خلل أخلاقي وهيكلي في تدبير الشأن المحلي.
وفي السياق نفسه، تتحدث فعاليات مدنية وحقوقية عن استمرار مظاهر المال الانتخابي واستعمال شبكات المصالح والنفوذ خلال المحطات الانتخابية، ما يساهم في إضعاف التنافس السياسي النزيه، ويفرغ العملية الديمقراطية من بعدها الحقيقي، خاصة حين تتحول الكفاءة إلى عنصر ثانوي أمام النفوذ والقدرة على التحكم في الخريطة الانتخابية.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع ساهم في تكريس عزوف سياسي متزايد، خصوصاً لدى الشباب، الذين أصبحوا ينظرون إلى السياسة المحلية باعتبارها فضاءً مغلقاً لا يسمح بالتجديد ولا يفتح المجال أمام الطاقات الجديدة، وهو ما يهدد مستقبل المشاركة السياسية بالإقليم، ويعمق الفجوة بين المجتمع والمؤسسات.
ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن تازة ما تزال تتوفر على مؤهلات حقيقية قادرة على تحقيق إقلاع تنموي مهم إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة، فالإقليم يمتلك مؤهلات فلاحية وسياحية وثقافية كبيرة، إضافة إلى رصيد بشري استثنائي يمكن أن يشكل قاعدة لأي مشروع تنموي جاد، غير أن تحقيق ذلك يظل رهيناً بحدوث قطيعة حقيقية مع أساليب التدبير التقليدي، وفتح المجال أمام نخبة جديدة تؤمن بالكفاءة والنزاهة والعمل الميداني.
إن تازة اليوم في حاجة إلى مشروع سياسي جديد، لا يقوم على الوعود الموسمية أو الحسابات الضيقة، بل على رؤية تنموية واضحة تجعل المواطن في صلب الأولويات، مشروع يعيد الاعتبار للكفاءات التازية داخل الوطن وخارجه، ويفتح الباب أمام مشاركتها في صياغة القرار المحلي، بدل استمرار تهميشها وإقصائها من دوائر التأثير.
كما أن استعادة الثقة في العمل السياسي تمر بالضرورة عبر تعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة النظر في معايير منح التزكيات الحزبية، بعيداً عن منطق القرابة والمصالح الانتخابية، فالمواطن التازي اليوم لم يعد يبحث عن خطابات جاهزة، بل عن مسؤولين قادرين على تحويل الإمكانيات المتاحة إلى مشاريع ملموسة تحسن شروط العيش وتعيد الأمل.
لقد وصلت تازة إلى مرحلة لم يعد فيها مقبولاً استمرار نفس المقاربات التي أوصلت المدينة إلى هذا الوضع، فإما أن يتم فتح صفحة جديدة قوامها الكفاءة والحكامة الجيدة والعدالة المجالية، وإما أن تستمر المدينة في الدوران داخل نفس الحلقة المغلقة التي عطلت إمكانياتها لعقود.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من مدينة تُستهلك فيها الكفاءات خارج حدودها، إلى مدينة تستثمر أبناءها وعقولها وخبراتها في خدمة تنميتها المحلية، حتى تستعيد تازة مكانتها الطبيعية كمدينة للعلم والثقافة والكفاءات، لا كمدينة أنهكها الانتظار وأثقلتها الحسابات السياسية الضيقة.










إرسال تعليق