من تيسة إلى الهامش المنسي: ثلاث ولايات من التهميش، مشاريع ملكية معطلة، اختلالات جسيمة وصرخة الساكنة تطالب بالمحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة

  • بتاريخ : يناير 4, 2026 - 9:51 م
  • الزيارات : 151
  • متابعة : احمد الزينبي

    رسمت الأمانة العامة للجمعية المغربية للكرامة وحقوق الانسان  وحماية المال العام بالمغرب، في تشخيصها للأوضاع بجماعة تيسة، صورة قاتمة على المنطقة، وذلك على خلفية ما عاشته وتعيشه المنطقة من تهميش وإهمال لا يطاق على جميع المستويات، حيث سجلت بامتعاض شديد تدهور الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، وعقم على المستوى التنموي منذ ثلاث ولايات عجاف (2010 – 2025)، ما جعل هذه الولايات تتسم بضعف بين في تدبير الشأن المحلي بالمنطقة، لافتقار معظم مكونات المجالس السابقة، والحالية لرؤية استراتيجية هادفة وخلاقة، تسهم من خلالها في خلق مشاريع تنموية على جميع المستويات، لانتشال فئات واسعة من الفقر وضيق ذات اليد.

    فمدينة تيسة عاصمة الحياينة تعاني كباقي جماعات الإقليم من هشاشة واضحة في بنيتها التحتية، حيث تتآكل الطرقات، وتتهالك الإنارة العمومية، وتغيب شبكة الواد الحار، ناهيك عن معاناتها مع اختلالات خطيرة في عدد من الأحياء، بل إن بعض المناطق، مثل حي الدومية الصفيحي، ما تزال ساكنته تنتظر منذ سنوات حقها في التأهيل والعيش الكريم، دون أي مؤشرات جدية لحل مشكل تهيئة الحي المذكور، هذا دون إغفال المشكل العالق الذي عمر طويلا والمتعلق بالتسوية العقارية لحي المحلة، ما يجعل المدينة خارج مسار التنمية، وكأنها تعيش على هامش الزمن، بينما تُسجَّل مشاريع شبه معطلة، وأخرى منجزة دون جودة أو استدامة، ما يعكس غياب الحكامة وسوء التدبير.

    أمام هذا الواقع المزرى، أصبحت ساكنة تيسة فاقدة للثقة في المجالس المنتخبة، بعدما أدركت أن الوعود الانتخابية غالبًا ما تُستعمل كورقة ظرفية، سرعان ما تُنسى بعد طي صفحة الاستحقاقات، إن مدينة تيسة اليوم في حاجة ماسّة إلى منتخبين غيورين على المصلحة العامة، يمتلكون الجرأة، والنزاهة، والكفاءة، قبل الخطابات والشعارات، وتحتاج إلى مجلس جماعي يُنصت للساكنة، ويُحاسَب على تدبيره انطلاقا من ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويضع التنمية الحقيقية في صلب أولوياته.

    فالمدينة التي رصدت لها مبالغ مالية مهمة منذ الزيارة الملكة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، سنة 2010، حين أنعم حفظه الله على رعاياه بمجموعة من المشاريع التنموية الوازنة، من قبيل مشروع تهيئة المجال الحضاري، وإحداث قاعة مغطاة، ومركب تجاري، ومسبح، وتهيئة الملعب البلدي، إلا أن هذه المشاريع اعترتها مجموعة من الاختلالات والخروقات، ولم يتم تنزيلها بالشكل المطلوب، فرغم الحلول الترقيعية التي شملت البعض من هذه المشاريع مع غض الطرف عن الاختلالات المذكورة، ظلت مجموعة من المشاريع معطلة وعبارة عن أطلال تقاوم عوادي الزمن، نظير المركب التجاري الذي يعتبر وصمة عار على جبين كل من ساهم في بنائه انطلاقا من مصممه، ومكتب الدراسات، وكذا المقاولة نائلة المشروع، والقسم التقني المكلف بتتبع الاشغال، وصولا إلى اللجنة المختلطة التي قامت بالتسليم النهائي للمشروع، لكونه غارقا في الاختلالات والخروقات المتمثلة في عدم احترامه لما هو منصوص عليه في دفتر التحملات. ما جعل العديد من المتتبعين أنداك يتساءلون عن السر في هذا التسليم النهائي الملغوم رغم عدم توفر المركب التجاري على شبكة الصرف الصحي، وكذا عدم ربطه بالماء والكهرباء.

    كما رصدت الجمعية الحقوقية المذكورة، الحالة المزرية والمقيتة لما سمي قسرا بالسوق النموذجي المحاذي للملعب البلدي، الممول من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لفائدة باعة الخضر أساسا، حيث اعتبرته الفعاليات الحقوقية هدرا بينا للمال العام، لكونه يفتقر لأبسط الشروط التي تحفظ كرامة المواطن، من حيث توفير الماء والكهرباء والمرافق الصحية، هذا بالإضافة لصعوبة الولوج إليه شتاء بسبب الأوحال المحيطة به من كل جانب، لكونه تم تشييده بشكل ارتجالي ومتسرع.

    وفي السياق ذاته، يشكّل السوق الأسبوعي بمدينة تيسة، بإقليم تاونات، نموذجًا صارخًا للاختلالات العميقة التي تعيشها المدينة على مستوى البنية التحتية والتدبير المحلي، حيث تحوّل هذا الفضاء الذي يفترض أن يكون رافعة اقتصادية واجتماعية، إلى عنوان للإهمال، وفضاء يعكس الفشل الذريع للمجالس الجماعية المتعاقبة، بما فيها المجلس الحالي.

    فسوق تيسة الأسبوعي يفتقر لأبسط شروط الكرامة الإنسانية والتنظيم، إذ تغيب عنه التهيئة، وتنعدم فيه المرافق الأساسية، وتغرق أرضيته في الأوحال مع أولى التساقطات المطرية، ما يعرّض التجار والمرتفقين، خصوصًا القادمين من الدواوير المجاورة، لمعاناة يومية وإهانة مستمرة منذ سنوات طويلة، هذا بالإضافة لموقعه بملتقى الطرق المؤدية للمدينة وللجماعات المجاورة، حيث يشكل يوم السوق الأسبوعي نقطة سوداء نتيجة العدد الكبير للمركبات التي تحج إليه، ما يخلق عرقلة كبيرة في حركة السير، ناهيك عن كونه يطل عل ضفة الوادي التي لم تسلم من تدمير بيئي كبير نتيجة رمي النفايات و مخلفات المجزرة في مجراه، دون تسجيل أي تدخل فعلي، يعكس حس المسؤولية أو التخطيط المعقلن.

    إن الوضعية المزرية للسوق ليست سوى جزء من صورة أشمل لمدينة تعيش شللًا تنمويًا واضحًا، في ظل غياب تام لرؤية استراتيجية لدى المجلس الجماعي بتيسة. مشاريع معلنة لم ترَ النور، وأخرى أُنجزت بشكل ترقيعي وسرعان ما أصبحت مهترئة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة صرف المال العام، في غياب المحاسبة والشفافية.

    من جهة أخرى، وقفت الجمعية الحقوقية المذكورة على هول الوضع الذي تعيشه ساكنة تجزئة أم الخيول، التي تفتقر بدورها إلى أبسط شروك الحياة الكريمة، رغم أن هذا الحي كان بمثابة نواة سكنية نموذجية أقيمت على أرض السوق الأسبوعي القديم، بعدما تولت شركة العمران تهيئته وتجزيئه لقطع سكنية، إلا أن هذا المشروع استغل بشكل بشع من طرف بعض المنتخبين أنداك والذين استفادوا بشكل مريب من أجود القطع، لكونهم يعرفون من أين تأكل الكتف، حيث خرج  مشروع التجزئة ناقصا على مستوى التجهيز بخصوص الشوارع والازقة التي لم يتم تزفيتها، لتظل عبارة عن شوارع متربة تغمرها الحفر، كما اثارت التجزئة المذكورة استغرابا كبيرا لكونها سلمت بدون إحداث مساحات خضراء، ومرافق ضرورية كوحدة مدرسية، ومسجد، ما يترك باب التأويلات مطروحا حول هذه النواقص، والذي يستدعي فتح تحقيق جدي بخصوصها.

    كما سجلت الجمعية الحقوقية، مجموعة من الملاحظات بخصوص مشروع العمران الذي يهم تأهيل الاحياء الناقصة التجهيز بالوسط الحضري بتيسة، حيث توصلت بمجموعة من الحقائق تتعلق أساسا بعدم ادراج مجموعة من الاحياء في المشروع المذكور، ما يطرح العديد من التساؤلات حول ذلك، كما تطالب الجمعية الحقوقية، بضرورة تتبع أشغال هذا المشروع بالجدية المطلوبة، لكي لا يعرف مصير باقي المشاريع الفاشلة السابقة.

    وأمام هذا الوضع المتأزم، أصبح من الضروري والملحّ تدخل السيد عبد الكريم الغنامي، عامل إقليم تاونات، من أجل فتح تحقيق جدي وشامل حول أسباب تعثر وتوقيف عدد من المشاريع الحيوية بمدينة تيسة، وفي مقدمتها مشروع المستشفى المحلي الذي ظل معلقًا دون مبررات واضحة، رغم كونه حقًا أساسيًا للساكنة كما يظل مطلب ربط المسؤولية بالمحاسبة أمرًا لا يقبل التأجيل، عبر الوقوف على كيفية صرف الأموال العمومية التي رُصدت لتنمية المدينة، وتحديد المسؤوليات ومساءلة كل من ثبت تورطه في الإهمال أو سوء التدبير أو ضياع المال العام، فمدينة تيسة لم تعد تحتمل مزيدًا من الانتظار أو الوعود الفارغة، والساكنة اليوم تطالب بتدخل سلطات الوصاية لوضع حد لهذا النزيف التنموي، وإعادة الاعتبار لمدينة تستحق العدالة المجالية والتنمية الحقيقية.