متابعة : احمد الزينبي
يعيش إقليم تاونات، منذ أكثر من عقدين، على وقع اختلالات عميقة صنعتها فئة من المنتخبين الذين تعاقبوا على تسيير جماعات ترابية وبرلمانيين معروفين على مستوى الإقليم. عشرون سنة كانت كافية لفضح حقيقة ممارسة سياسية اختزلت الشأن العام في خدمة المصالح الشخصية والعائلية، وتركت وراءها دوواير معزولة، شباباً بلا أفق، وبنية تحتية متهالكة، فيما كانت الخزائن تنتفخ والثروات تُجمع بالملايير دون محاسبة أو مراقبة.
هؤلاء المنتخبون ومعهم عدد من رؤساء المصالح الخارجية بالإقليم أتقنوا لعبة الانتخابات، وحوّلوا ثقة المواطنين إلى سلعة تباع وتُشترى، وصنعوا صورة نمطية قاتمة للسياسة في تاونات، حتى بات المواطن يفقد الثقة في المؤسسات بسبب الممارسات نفسها التي تتكرر بدون رادع.
المشاريع التي أُعلن عنها على مدى سنوات بقي أغلبها معطلاً أو سجين قاعات الانتظار، بينما التبريرات جاهزة والميزانيات تُصرف دون أثر على الأرض. مواطنون يعيشون التهميش، ودوواير تغرق في العزلة خاصة في فصل الشتاء، حيث تنقطع الطرق وتُشلّ الحركة ويجد المواطن نفسه وجهاً لوجه مع قدره.
أما الصحة فلا صحة، والتعليم يتدهور، والماء الصالح للشرب أصبح أداة للاستغلال بدل أن يكون حقاً مضموناً، ملايين الدراهم صُرفت على مشاريع بلا دراسة، بلا جدوى، وبلا أي انعكاس على حياة الساكنة.
وفي الوقت نفسه، ظهرت خلال السنوات الأخيرة سياسات عائلية تدور في فلك المصالح الخاصة، مدعومة بأحزاب كرتونية فقدت الحكامة والقدرة على التأطير، وتحولت الجمعيات إلى كيانات مرتزقة تعيش على الدعم العمومي وتُصرف عليها الملايير دون حسيب أو رقيب.
المؤسسات المنتخبة على صعيد إقليم تاونات استنزفت الميزانيات دون أن تترك أثراً ملموساً، المواطن، الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول من التنمية، أصبح آخر من يُذكر في سياسات التسيير المحلي.
أصوات عديدة من أبناء الإقليم تطالب اليوم بفتح تحقيق شامل في المشاريع المنجزة وغير المنجزة، في الصفقات، في طرق صرف الميزانيات، وفي شبكات الفساد التي حولت الإقليم إلى نموذج صارخ للتهميش رغم ما خُصص له من أموال.
إن الاستهتار بقضايا المواطنين وبحياتهم اليومية لم يعد مقبولاً، والصمت الرسمي يشجع على استمرار هذه الاختلالات اليوم، وبعد كل هذه السنوات، صار ضرورياً أن تتحرك الجهات الوصية والرقابية وأن تتدخل الدولة لوقف هذا النزيف، وإعادة الاعتبار لإقليم يستحق أن يعيش تاريخه وقيمته وكرامة أبنائه.
ورغم هذه المعاناة، ظلّت أصوات الساكنة تُقابل بالصمت والتجاهل سنوات من التسيير المرتجل، والوعود الانتخابية التي تتبخر بعد الإعلان عن النتائج، خلقت شعوراً عاماً بأن الإقليم يعيش عقاباً جماعياً لا أحد يعرف سببه وبينما تراكمت الثروات لدى بعض المنتخبين والمسؤولين، ظل المواطن البسيط يواجه يومه بكرامة مجروحة وحياة تزداد ضيقاً.











إرسال تعليق