بوعروس بين مطلب الماء ومزايدات السياسة: حينما يعلو صوت الدولة الجادة

  • بتاريخ : سبتمبر 23, 2025 - 11:20 م
  • الزيارات : 388
  • متابعة : احمد الزينبي

    في وقت تتزايد فيه المطالب الاجتماعية وتتصاعد فيه أصوات الساكنة في العديد من المناطق القروية بالمملكة، برزت جماعة بوعروس بإقليم تاونات كنموذج دقيق لتقاطع تعثرات التنمية المحلية مع محاولات التوظيف السياسي لبعض القضايا الحيوية، وفي مقدمتها حق المواطن في الولوج إلى الماء الصالح للشرب.

    الاحتجاجات الأخيرة التي عرفتها المنطقة لم تكن إلا تعبيرًا عن تراكم تأخيرات طويلة في إنجاز مشاريع حيوية مبرمجة سلفًا، يتصدرها مشروع تزويد الجماعة بالماء، الذي عرف نوعًا من التماطل في التنفيذ، إلى جانب أعطاب متكررة بالقنوات، غالبًا ما يتأخر إصلاحها، مما يزيد من معاناة الساكنة خاصة في المواسم الحارة.

    في مقابل ذلك، لوحظ غياب حركية فعالة من طرف المجلس الجماعي، الذي يفترض فيه أن يكون الطرف الأقرب إلى المواطنين والأكثر تفاعلاً مع قضاياهم اليومية. هذا التراخي فتح المجال أمام أطراف سياسية وجمعوية متباينة الأهداف للتدخل والتحدث باسم الساكنة، أحيانًا بدافع التضامن، وأحيانًا أخرى بمنطق توظيف المطالب لخدمة أجندات حزبية ضيقة.

    لكن ما ميّز هذا الملف هو التدخل الحاسم والمباشر من طرف عامل إقليم تاونات، الذي دعا إلى عقد لقاء رسمي موسع بمقر العمالة، بحضور ممثلي الساكنة وعدد من المصالح الخارجية والقطاعات الحكومية المعنية. وهو تدخل عكس روح المسؤولية، وأكد أن الدولة بمؤسساتها قادرة على فتح قنوات الحوار الحقيقي، وتقديم إجابات عملية، بعيدًا عن المزايدات أو التوظيف السياسي.

    وقد تم خلال هذا اللقاء التأكيد على التقدم الحاصل في مشروع التزود بالماء انطلاقًا من سد إدريس الأول بنسبة إنجاز تفوق 80%، مع توجيه تعليمات للتسريع بإصلاح النقاط السوداء في شبكة الطرق، وتحسين خدمات الصحة والتعليم والنقل المدرسي. كما تم الاتفاق على تشكيل لجنة محلية لتتبع تنفيذ المخرجات، في خطوة تعزز الشفافية والمحاسبة.

    ما حدث في بوعروس ليس مجرد احتجاج مرتبط بمطلب اجتماعي، بل هو درس في أهمية التفاعل المؤسساتي الجاد، وفي ضرورة تعزيز ثقافة الحوار داخل المجتمع المحلي، بعيدًا عن خطاب التقسيم والاستقطاب. كما يعكس الحاجة الملحة إلى أن تتحمل كل جهة مسؤوليتها، سواء تعلق الأمر بالقطاعات الوزارية أو بالمجالس المنتخبة أو بالمجتمع المدني.

    إن مطالب الساكنة في نهاية المطاف مشروعة، وهي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الإنصات وتقديم الحلول، ولكنها أيضًا اختبار لنزاهة الفاعلين المحليين، ومدى التزامهم بوضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبار سياسي أو حزبي.

    قد لا تكون بوعروس استثناءً في مغرب اليوم، لكنها بالتأكيد صارت مثالًا حيًّا على أن الدولة حين تتفاعل بجدية، تُسقِط أوراق المناورات وتُعيد الثقة إلى المواطن.