حوار : أبو أميمة
حوار: من البحّار إلى المجهز، ومن تاجر السمك بالجملة إلى أسواق البيع، وصولاً إلى المستهلك، يطرح عبد الحي غفغوف قراءة مهنية لسلسلة القيمة في قطاع الصيد البحري، داعياً إلى أن تشكل المناظرة الوطنية المرتقبة فرصة لإعادة ترتيب قواعد القطاع ضمن مدونة حديثة وواضحة تحدد المسؤوليات، وتضمن الشفافية، وتنصف مختلف المتدخلين.
يرى غفغوف، باعتباره تاجراً للسمك بالجملة وفاعلاً مهنياً ونقابياً، أن إصلاح القطاع لا ينبغي أن يقتصر على معالجة حلقة واحدة، بل يجب أن ينطلق من قراءة متكاملة تبدأ بالبحّار وتنتهي بالمستهلك.
– س: كيف تنظرون، كفاعلين في منظومة الصيد البحري، إلى تعيين السيد أحمد المهدي المزواري وزيراً منتدباً مكلفاً بالصيد البحري؟
عبد الحي غفغوف: ننظر بإيجابية إلى هذا التعيين، ونعتبر أن السيد أحمد المهدي المزواري أمام مسؤولية كبيرة في قطاع استراتيجي يكتسي أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، لكنه يواجه في المقابل تحديات وانتظارات متعددة.
نحن كمهنيين نريد أن نرفع له المعنويات منذ البداية، لأن المسؤولية ليست سهلة، والنجاح فيها يحتاج إلى تعاون الجميع. وما نتمناه هو أن يشكل هذا التعيين فرصة لفتح صفحة جديدة عنوانها الإنصات والحوار والعمل الميداني.
نحن لا ننتظر من السيد الوزير أن يحل جميع المشاكل في ظرف وجيز، وإنما ننتظر منه أن يستمع إلى المهنيين، وأن يقترب من الموانئ والأسواق، وأن يفتح نقاشاً صريحاً حول مختلف حلقات سلسلة القيمة، من البحار والمجهز إلى تاجر السمك والمستهلك.
وأعتقد أن أمامه فرصة مهمة لبناء جسور الثقة مع مختلف المهنيين، ونحن من جانبنا مستعدون للتعاون ووضع تجربتنا ومقترحاتنا رهن إشارة الوزارة. نجاح الوزير في مهمته هو في النهاية نجاح للقطاع وللمهنيين وللاقتصاد الوطني.
– س: كيف تنظرون إلى الدعوة لعقد مناظرة وطنية للصيد البحري وإعداد مدونة خاصة بالقطاع؟
عبد الحي غفغوف: نثمن هذه المبادرة، لأن قطاع الصيد البحري يحتاج فعلاً إلى إطار قانوني متكامل يواكب التحولات التي عرفها القطاع، ويحدد بشكل دقيق حقوق وواجبات كل المتدخلين. نحن أمام فرصة لإعادة ترتيب سلسلة القيمة من البحّار إلى المستهلك، وليس فقط معالجة بعض الاختلالات الجزئية.
– س: لنبدأ بالبحّار، باعتباره أساس العملية الإنتاجية. ما الذي يحتاجه؟
عبد الحي غفغوف: البحّار هو المنتج الحقيقي للثروة، لكنه يشتغل في ظروف لا تضمن دائماً دخلاً مستقراً أو حماية اجتماعية كافية. لذلك نرى ضرورة التفكير في نظام أكثر استقراراً، يقوم على أجر قار وتحفيزات مرتبطة بالمردودية، إلى جانب إلزامية التكوين البحري واحترام الراحة البيولوجية، لأن حماية الإنسان والثروة السمكية يجب أن تسيرا معاً.
– س: وماذا عن المجهز؟
عبد الحي غفغوف: يتحمل أعباء كبيرة مرتبطة بالسفينة والشباك والبحارة وغيرها، لكن مادة الكازوال أصبحت من أكبر التكاليف التي تثقل كاهل القطاع. لذلك نحتاج إلى فتح نقاش جدي حول تسقيف ثمن الكازوال أو اعتماد سعر مرجعي خاص بقطاع الصيد، بما يضمن استمرارية النشاط ويحافظ على تنافسية الأسطول.
– س: تنتقدون أيضاً وضعية تاجر البيع الأول، أي تاجر السمك بالجملة. لماذا؟
عبد الحي غفغوف: لأن هذه الحلقة لم تنل ما تستحقه من الاعتراف والدعم. تاجر البيع الأول يتحمل تكاليف الثلج والنقل واليد العاملة، ويساهم في ضمان استمرار الدورة التجارية للمنتوج البحري، دون أن تكون له ضمانات كافية في مواجهة مخاطر ضياع المنتوج أو عدم الأداء. نحتاج إلى الاعتراف بدوره الاقتصادي وإدماجه في برامج المواكبة والدعم.
– س: تحدثتم عن تداخل في اختصاصات عدد من المؤسسات. أين يكمن المشكل؟
عبد الحي غفغوف: المشكل هو أن المهني يجد نفسه أمام أكثر من جهة متدخلة في القطاع. المطلوب في المدونة الجديدة هو تحديد واضح ودقيق لاختصاصات كل مؤسسة، حتى يعرف كل طرف أين تبدأ مسؤوليته وأين تنتهي.
– س: ماذا عن أسواق السمك والدلالة؟
عبد الحي غفغوف: هذه نقطة مركزية. يجب أن تتم عمليات البيع في إطار قانوني وشفاف، وأن تكون المسؤولية واضحة، بما يضمن نزاهة الدلالة وحماية مصالح مختلف المتدخلين.
– س: وماذا عن الدلالة الرقمية؟
عبد الحي غفغوف: إذا كانت الدلالة رقمية، فيجب أن يكون النظام الإلكتروني هو الحكم. لا يمكن أن نتحدث عن دلالة رقمية وشفافة مع استمرار تدخل بشري مباشر في مجريات البيع. لذلك نقترح سحب آلة التحكم والإبقاء على النظام الإلكتروني الذي يحدد الثمن بشكل أوتوماتيكي وواضح.
– س: تطرحون أيضاً قضية ما يسمى “البيع لنفسه” أو Vente lui-même. لماذا تعتبرونها خطيرة؟
عبد الحي غفغوف: لأنها، إذا ثبتت ممارستها، تضرب مبدأ المنافسة والشفافية وتؤثر في القيمة الحقيقية للمنتوج وفي المداخيل المرتبطة به. لذلك نطالب بمعالجتها بشكل صريح داخل المدونة الجديدة، مع تحديد المسؤوليات والعقوبات بوضوح.
س: وماذا عن البيع الثاني؟
عبد الحي غفغوف: البيع الثاني يحتاج بدوره إلى تنظيم واضح، لأن استمرار الفوضى وغياب الضمانات يمكن أن ينعكسا مباشرة على تاجر البيع الأول. نرى ضرورة تنظيم هذه الحلقة بما يضمن الشفافية وانتظام المعاملات.
– س: طرحتم أيضاً ملف الصيد في أعالي البحار. ما هو مطلبكم؟
عبد الحي غفغوف: المطلب الأساسي هو الشفافية. يجب أن تكون جميع المصطادات خاضعة لمنظومة واضحة للتتبع والتصريح والبيع، بما يسمح بمعرفة الكميات والأنواع والقيمة الحقيقية للمنتوج، وضمان حقوق الدولة والجماعات والمهنيين.
– س: وفي نهاية هذه السلسلة، أين يوجد المستهلك؟
عبد الحي غفغوف:المستهلك هو الحلقة الأضعف، رغم أن الثروة السمكية ثروة وطنية ومشتركة. هدفنا النهائي يجب أن يكون أن يستفيد المواطن المغربي من هذه الثروة بشكل أفضل، سواء من حيث السعر أو الجودة أو السلامة الصحية.
– سؤال أخير: ما الذي تنتظرونه من المناظرة الوطنية؟
عبد الحي غفغوف:ننتظر أن تكون محطة لإعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات القطاع، وأن تنتقل النقاشات من تشخيص المشاكل إلى قرارات واضحة وآليات تنفيذ محددة. نحن لا نبحث عن امتيازات لفئة معينة، وإنما عن مدونة تنصف البحّار والمجهز وتاجر السمك والمستهلك، وتحدد مسؤوليات المؤسسات، وتضمن الشفافية في مختلف مراحل سلسلة القيمة.
– كلمة أخيرة؟
عبد الحي غفغوف: رسالتي للسيد الوزير أحمد المهدي المزواري هي أن المهنيين يريدون له النجاح، ومستعدون للحوار والعمل والتعاون. لا يمكن إصلاح قطاع الصيد البحري من المكاتب فقط، وإنما بالإنصات إلى الميدان والاقتراب من مختلف الفاعلين، مع إنصاف البحّار، ودعم المجهز، وحماية تاجر البيع الأول، وتنظيم البيع الثاني، وضبط الدلالة، وإخضاع مختلف المصطادات للشفافية، كلها حلقات تصب في هدف واحد: حماية الثروة الوطنية وضمان استفادة المواطن منها، كما نأمل أن تكون المناظرة الوطنية المرتقبة محطة تاريخية لإخراج مدونة حديثة للصيد البحري، وأن تكون كذلك بداية مرحلة جديدة من الثقة والتعاون بين الوزارة والمهنيين.
*عبد الحي غفغوف فاعل مهني ونقابي في قطاع الصيد البحري وتجارة السمك، وعضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين، والمنسق الوطني لقطاع تجار السمك بالجملة، كما يرأس جمعية تجار السمك الأبيض بالجملة بميناء العيون.












إرسال تعليق