بقلم: سعيد بقلول
تظل النصوص التشريعية المرجع الأساسي لتحديد الوضعيات القانونية للمسؤولين المنتخبين في دولة المؤسسات وسيادة القانون، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتأويلات التي قد تخلط بين المسؤولية الشخصية والصفة الانتدابية.
وفي هذا السياق، تتعلق القضية برئيس المجلس الإقليمي لتازة، عبد الإله بعزيز، الذي صدر في حقه حكم عن المحكمة الابتدائية بفاس بتاريخ 11 شتنبر 2026، قضى بستة أشهر حبساً نافذاً، على خلفية قضية مرتبطة بما يُعرف إعلامياً بملف «الفواتير الوهمية والشركات الصورية». وحسب المعطيات المتاحة، فقد غادر المؤسسة السجنية مع بداية شهر أكتوبر 2026، بعد قضائه العقوبة المحكوم بها.
وأمام هذه المعطيات، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يشكل تنفيذ عقوبة حبسية مدتها ستة أشهر بالضبط سبباً كافياً لإنهاء مهام رئيس المجلس الإقليمي، أم أن الأمر يستوجب الرجوع إلى الشروط والضوابط التي حددها المشرع المغربي؟للإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من استحضار مقتضيات القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، ولا سيما المواد 21 و22 و105، كما تنص المادة 21، في بندها السادس، على اعتبار رئيس المجلس في وضعية انقطاع عن مزاولة مهامه في حالة الاعتقال لمدة «تفوق ستة (6) أشهر”.
وتكمن أهمية هذا المقتضى في دقة الصياغة التشريعية، إذ اختار المشرع عبارة «تفوق ستة أشهر»، ولم يستعمل عبارة «ستة أشهر أو أكثر». وبالتالي، فإن مدة ستة أشهر بالضبط لا تحقق، من حيث المدة وحدها، شرط تجاوز المدة المحددة في النص القانوني، وهو ما يقتضي احترام الدلالة القانونية لعبارات المشرع وعدم تحميلها آثاراً لم ينص عليها صراحة، أما المادة 22، فتحدد الآثار القانونية المترتبة عن تحقق حالات الانقطاع المنصوص عليها في المادة 21، بما فيها الآثار المتعلقة بانتهاء مهام الرئيس وحل مكتب المجلس، وفق الشروط والإجراءات القانونية وبذلك، فإن ترتيب هذه الآثار يظل مرتبطاً بثبوت الحالة القانونية التي تستوجبها.
وفي السياق نفسه، تنظم المادة 105 مسألة النيابة المؤقتة عن رئيس المجلس عندما يتغيب أو يعوقه عائق عن ممارسة مهامه لمدة تفوق شهراً، حيث يتولى أحد نوابه، وفق الترتيب القانوني، ممارسة مهامه بصفة مؤقتة، ويؤكد هذا المقتضى التمييز بين الغياب المؤقت الذي يستوجب ضمان استمرارية عمل المؤسسة، والحالات القانونية التي يترتب عنها انتهاء المهام الانتدابية.
ومن جانب آخر، تبرز ضرورة التمييز بين طبيعة الوقائع موضوع القضية القضائية والمسؤولية المرتبطة بتدبير المجلس الإقليمي، فحسب المعطيات المتاحة، تتعلق القضية بملف الفواتير الوهمية والشركات الصورية، دون افتراض ارتباطها بتدبير المجلس أو بالمال العام، ما لم تثبت ذلك الوقائع والأحكام القضائية، ولا يعني هذا إعفاء أي شخص من مسؤوليته أمام القضاء، بل يقتضي احترام الحدود الفاصلة بين المسؤولية الجنائية الشخصية والمسؤولية المرتبطة بتدبير مؤسسة عمومية، مع مراعاة قرينة البراءة والضمانات الدستورية المنصوص عليها في الفصل 23 من الدستور.
أما على المستوى التدبيري والتنموي، فإن تقييم أداء المجلس الإقليمي ينبغي أن يستند إلى حصيلة المشاريع والنتائج المحققة على أرض الواقع فالمعارضة حق ديمقراطي، والنقد والمحاسبة ضرورة مؤسساتية، لكن ممارستها تقتضي الموضوعية والإنصاف والاستناد إلى الوقائع والمعطيات، بعيداً عن الحسابات السياسية والأحكام المسبقة.
وبالعودة إلى المقتضيات القانونية المشار إليها، فإن قضاء عقوبة حبسية مدتها ستة أشهر بالضبط لا يشكل، من حيث مدة الاعتقال وحدها، سبباً كافياً لتحقق حالة الانقطاع المنصوص عليها في البند السادس من المادة 21، وبناءً على ذلك، تظل عودة رئيس المجلس الإقليمي لتازة إلى ممارسة مهامه قانونية من زاوية هذا المقتضى، ما لم يوجد مانع قانوني آخر يحول دون ذلك، مع احترام الإجراءات والقرارات الصادرة عن الجهات المختصة.
وفي نهاية المطاف، تبقى مصلحة تازة وساكنتها فوق كل الحسابات والخلافات السياسية، فالأهم هو مواصلة النقاش حول المشاريع المنجزة والأوراش التنموية المنتظرة، ومدى استجابة المؤسسات المنتخبة لتطلعات المواطنين، فالاختلاف حق، والنقد مسؤولية، لكن الحكم على التجارب ينبغي أن يستند إلى الوقائع والنتائج، لأن ما تحتاجه تازة هو العمل والإنجاز وخدمة الصالح العام، لا مزيداً من التجاذبات، ففي دولة المؤسسات، يظل القانون مرجع الجميع، وتُقاس التجارب بما تحققه من نتائج على أرض الواقع.











إرسال تعليق