متابعة: أحمد الزينبي
في كل موسم انتخابي، تعود الوجوه نفسها تقريباً إلى المشهد، وتعود معها حمى الوعود والخطابات واللقاءات التواصلية، وكأن ذاكرة المواطن قصيرة، وكأن السنوات الماضية لم تمر بما حملته من انتظارات ومعاناة وملفات ظلت معلقة لعقود.
وأنا أتصفح بعض صفحات منصات التواصل الاجتماعي، وبعض الجرائد الإلكترونية التي تواكب تغطية اللقاءات التواصلية للأحزاب السياسية، ومرشحين سبق لهم أن خاضوا الانتخابات التشريعية بإقليم تاونات، يبرز موضوع الحصيلة بشكل واضح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتخبين سبق أن تحملوا مسؤولية تمثيل المواطنين ،وقبل تقديم أي برنامج جديد، يبقى من حق المواطن معرفة ما تحقق من البرامج السابقة، مع استحضار مجموعة الوعود التي ضغضغت بها مشاعر المواطنين في الاستحقاقات السابقة، مع إبراز ما تم إنجازه خلال الولاية المنتهية، وما هي المشاريع التي تم الالتزام بها، وما الذي حال دون تنفيذ بعضها، فضلاً عن معرفة أسباب تراجع التواصل مع الساكنة مباشرة بعد انتهاء الانتخابات.
فالمواطن التاوناتي لا يطلب المستحيل، وإنما يطالب بحقوق أساسية يضمنها له الدستور، وفي مقدمتها توفره على الماء الصالح للشرب، والطرق والمسالك، والبنية التحتية، والخدمات الاجتماعية الأساسية من قبيل الصحة، والتعليم، وفرص شغل حقيقية ومستدامة، وتتبع المشاريع التي تنجز في مختلف المناطق، وضمان جودتها، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يتعلق بالمشاريع والصفقات العمومية.
وفي هذا السياق تستحضر فعاليات جمعوية وحقوقية، مجموعة من المحطات، التي جست من خلالها نبض المنتخبين ووضعتهم في المحك، وقفت من خلالها على مدى قرب المنتخب من هموم المواطن ومعانته، خاصة في الظروف العصيبة، التي سجلت خاصة في شتاء الموسم الجاري، حيت سجل المواطنون القاطنون بالدواوير والمداشر المنكوبة، بامتعاض شديد، غياب عدد من الفاعلين السياسيين عن المشهد الميداني خلال تلك الظروف القاسية، ما جعلهم يطرحون تساؤلات مشروعة حول طبيعة حضور المنتخب عندما يكون المواطن في أمس الحاجة إلى من يترافع عن قضاياه ويتابع ملفاته، فالفاعل السياسي الذي يطلب ثقة المواطن في الانتخابات، يفترض أن تكون علاقته بالساكنة مستمرة، وألا تقتصر على لحظات الحملات واللقاءات الانتخابية، حيث تكون الأبواب مفتوحة، والهواتف متاحة، واللقاءات كثيرة، والوعود متعددة، ويكون المرشح قريباً من المواطنين، لتنتهي هذه الطقوس بعد إعلان النتائج، ليشعر المواطنون بأن المسافة اتسعت، وأن التواصل الذي كان حاضراً بقوة أثناء الحملة بدأ يتراجع، إلى أن ينقطع أحياناً بشكل كامل.
وامام هذا الوضع، وهذه المعاناة، يضل المواطن المغلوب على أمره، في حيرة من أمره، أمام تقاعس المنتخبين، في أيجاد حلول للتخفيف عنهم، ولو باتصال هاتفي دافئ، ما يضطرهم إلى اللجوء إلى عمالة الاقليم عندما تضيق بهم السبل، والتي تعتبر صمام الأمان في مثل هذه المواقف، والتي لا تتوانى في استقبالهم والتخفيف من معاناتهم، وذلك بالإنصات إليهم والتفاعل مع مطالبهم، والتدخل لمعالجة مشكلاتهم في إطار الاختصاصات القانونية، بعدما يكونوا قد عبروا عن غضبهم بسبب تقاعس المنتخبين عبر تنفيذهم لمسيرات ووقفات مطلبية سعيا لتحقيق بعض المطالب المشروعة، والمتعلقة بالماء الشروب، وفك العزلة، وتحسين الخدمات الأساسية، وفتح قنوات الحوار حول الإكراهات التي يعيشونها بشكل يومي، ولعل الأمطار الأخيرة التي شهدها المغرب وإقليم تاونات تحديداً، قدمت صورة واضحة عن حجم الإكراهات التي يمكن أن تواجهها الساكنة في مثل هذه الظروف، حيث عاش عدد من المواطنين لحظات عصيبة بسبب العزلة التي فرضتها التساقطات، وانقطاع بعض الطرق والمسالك، وانهيارات مست منازل وممتلكات، فضلاً عن الخسائر التي خلفتها الظروف المناخية في عدد من المناطق.
وهنا لا بد من الإشادة بالدور الذي اضطلعت به السلطات المحلية والإقليمية، وعلى رأسها عامل الإقليم، في المراقبة والمواكبة وتتبع الأوراش والمشاريع والتفاعل مع مطالب المواطنين، كلما طرحت إكراهات تستدعي التدخل المؤسساتي، من خلال المواكبة المستمرة للجنة الإقليمية لليقظة، حيث سجل حضور عامل الإقليم والسلطات الإقليمية والمحلية في الميدان بالجدية والفعالية المطلوبة في متل هذه الظروف العصيبة، من خلال مواكبتها للوضع والتنقل بين المناطق والطرق والمسالك المتضررة، وتتبع عمليات التدخل وفتح المحاور المعزولة ومواكبة المواطنين المتضررين، وقد سجل هذا الحضور المؤسساتي حضوراً ميدانياً متميزاً في ظرفية استثنائية، وهو أمر يستحق التنويه، لأن المواطن في لحظات الأزمات لا يحتاج إلى الخطابات، وإنما يحتاج إلى مسؤولين في الميدان، يتابعون الوضع ويتدخلون في حدود اختصاصاتهم، ويعملون على التخفيف من آثار الأضرار، في حين تجد المنتخب غير ابه بذلك، وكأن الأمر لا يعنيه في شيء.
ومن غير المقبول أن تتحول معاناة المواطن مع الماء والطرق والمسالك والبنية التحتية إلى مادة انتخابية تظهر فقط مع اقتراب صناديق الاقتراع، فالمواطن الذي يعيش بدون ماء للشرب لا يحتاج إلى خطاب انتخابي، وإنما يحتاج إلى حل، والمواطن الذي يعيش في منطقة تعاني من غياب أو تدهور المسالك والطرق يحتاج إلى فك العزلة وتأمين تنقله، وليس إلى وعود جديدة، والمواطن الذي يرى مشروعاً أنفقت عليه أموال عمومية ثم يتعرض للتلف أو الانهيار بعد التساقطات المطرية، من حقه أن يعرف طبيعة الأشغال المنجزة، ومدى احترام المواصفات التقنية، وكيف تمت عمليات التتبع والمراقبة، والجهات المسؤولة عن تنفيذ المشروع والإشراف عليه، وفق ما يحدده القانون والاختصاص، وهذه المطالب ليست عداءً للعمل السياسي، وإنما هي جزء من الرقابة المواطنة على المال العام والمشاريع العمومية، ومن هنا، ينبغي أن تصبح الحصيلة ثقافة سياسية راسخة، وأن يقدم المنتخب للمواطنين صورة واضحة عن المشاريع والملفات التي تابعها، وما تحقق منها، وما تعذر إنجازه، والأسباب المرتبطة بذلك، والجهود التي بذلت لمعالجة مختلف الإكراهات، فالمواطن من حقه أن يعرف ماذا تحقق خلال الولاية، وأن يقارن بين الوعود والنتائج، وأن يقيّم أداء من منحه ثقته، كما أن تقديم الحصيلة لا ينبغي أن يكون مناسبة للدفاع عن النفس فقط، بل فرصة للاعتراف بما تحقق وما لم يتحقق، وشرح الأسباب، وتحديد المسؤوليات في إطار القانون.
والمثير للاستعراب والحسرة، هو ظاهرة الترحال السياسي أو(الميركاتو) بإقليم تاونات، حيث يغير بعض الفاعلين السياسيين لألوانهم الحزبية مثلما يغير اللاعبون جواربهم بعد انتهاء أي مباراة، لتتغير بذلك الشعارات والرموز والتحالفات في رمشة عين، مستحضرين في مغامراتهم السياسية، (براغماتيتهم) المقيتة، لكن هناك شيئاً لا يتغير” ذاكرة المواطن”، فالمواطن يتذكر من وعده، ومن زاره، ومن استمع إليه، ومن اختفى عنه، ومن عاد إليه بعد سنوات حاملاً وعوداً جديدة، وتغيير الانتماء الحزبي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لمحو الماضي السياسي، لأن المسؤولية مرتبطة كذلك بالشخص وبالمهام التي تحملها، وليس فقط باللون الحزبي الذي كان يحمله في مرحلة معينة.
وخلاصة القول، تبقى الحقيقة واضحة: المواطن لا ينسى، والوعود مهما كانت جميلة ووردية، لا يمكن أن تحجب غياب الحصيلة، والمقعد الانتخابي في إقليم تاونات يظل تكليفاً ومسؤولية وليس امتيازاً، حيث أثبتت الظروف الصعبة أن المسؤولية الحقيقية تظهر في الميدان، حيث يكون المواطن في حاجة إلى من يقف إلى جانبه ويتابع أوضاعه ويتفاعل مع معاناته، لا إلى من يحضر فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع؛ فالمواطن أصبح أكثر وعياً وتمييزاً بين من يشاركه لحظات الشدة ومن يتذكره في المواسم الانتخابية، ولذلك فإن من يطلب ثقته من جديد مطالب بأن يقدم الحصيلة قبل الوعود، والعمل قبل الخطاب، والحضور قبل طلب الصوت، وأن يجعل خدمة المواطن التزاماً مستمراً لا محطة عابرة تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية.












إرسال تعليق