متابعة : سعيد بقلول
تتصاعد مطالب الساكنة وفعاليات المجتمع المدني بجماعة عين الشقف، التابعة لإقليم مولاي يعقوب، بضرورة فتح تحقيق شامل وعاجل يشمل المجالس الجماعية السابقة والحالية، وذلك على خلفية تراكم اختلالات خطيرة وغير مسبوقة مست عدداً من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعمير والبنية التحتية.
وحسب معطيات متطابقة، فقد عرفت الجماعة خلال السنوات الماضية انتشاراً واسعاً للبناء العشوائي، في ظل ما وصفته الساكنة بـ”التساهل غير المبرر” في منح رخص البناء، إضافة إلى منح رخص الماء والكهرباء لمنازل غير قانونية، في غياب رخص السكن وشواهد انتهاء الأشغال، هذه الممارسات ساهمت بشكل مباشر في تفاقم الفوضى العمرانية، وخلقت وضعاً كارثياً على مستوى التنظيم الحضري.
كما تم تسجيل خروقات تتعلق بمنح شواهد المطابقة لمشاريع لم تستكمل أشغالها أو لا تحترم التصاميم المرخصة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى احترام القوانين الجاري بها العمل، ويضع المسؤولية القانونية على عاتق رؤساء الجماعات والجهات المتدخلة في هذا القطاع.
وفي السياق ذاته، تشير مصادر محلية إلى وجود عمليات تجزيء وتقسيم غير قانونية، تم على إثرها منح رخص بناء فوق بقع أرضية غير قانونية، فضلاً عن إصدار وثائق إدارية غير قانونية استُعملت في بيع وتحفيظ أراضٍ ناتجة عن هذه التجزئات العشوائية.
وعلى مستوى البنية التحتية، تعيش ساكنة الجماعة أوضاعاً وصفت بـ”المزرية”، حيث تعاني الدواوير والأحياء من غياب التام في شبكات الصرف الصحي في جل الدواوير التابعة للجماعة، مما أدى إلى انتشار المياه العادمة في الأزقة، إضافة إلى تدهور خدمات الإنارة العمومية، وتفاقم أزمة تدبير النفايات المنزلية التي أصبحت تغزو الشوارع والأزقة بشكل يومي.
وفي هذا الإطار، سبق للجمعية المغربية للكرامة وحقوق الإنسان وحماية المال العام بالمغرب أن راسلت السيد محمد سمير الخمليشي والسيد والي جهة فاس مكناس والسيد وزير الداخلية بشأن هذه الاختلالات، مطالبة بفتح تحقيق في مصير الميزانيات الضخمة التي تم تخصيصها لمشاريع حيوية، وعلى رأسها مشروع الصرف الصحي (الواد الحار) في المجالس السابقة ، والذي لا تزال الساكنة تتساءل عن مآله، في ظل غياب نتائج ملموسة على أرض الواقع.
كما يثير مشروع السوق النموذجي بالجماعة جدلاً واسعاً، حيث تم إنجازه حسب المعطيات المتوفرة دون احترام دفتر التحملات، ليجد نفسه اليوم مغلقاً وغير مستغل، في حين كان يُروج له كمشروع مدر للدخل سيمكن الجماعة من تحقيق مداخيل مهمة عبر الكراء، إلا أن الواقع كشف عكس ذلك، حيث لم تستفد الجماعة بأي عائد مالي منه، ما يطرح تساؤلات جدية حول طرق تدبير هذا المشروع ومآل الأموال التي صرفت عليه، خاصة وأن إنجازه استغرق مدة ثلاث مجالس جماعية.
وفي مقابل ذلك، تتحدث مصادر محلية عن تورط بعض المنتخبين في الاستفادة من الوضع القائم، حيث راكموا ثروات مهمة من خلال الاستثمار في البناء العشوائي، عبر شراء بقع أرضية غير قانونية وبنائها، ثم استغلال نفوذهم للحصول على التراخيص أو تسوية الوضعيات بطرق ملتوية، بل إن بعضهم حسب نفس المصادر يستعمل نفس الرخص في عدة مواقع داخل نفوذ الجماعة، خاصة في دواوير تحمل نفس الاسم.
كما تم تسجيل حالات منح رخص الماء والكهرباء بشكل متكرر لنفس المشاريع أو لأماكن مختلفة، في خرق واضح للقوانين، إضافة إلى استغلال بعض المنتخبين لسلطتهم في الترخيص لبناء مساكن لفائدة الغير مقابل تعويضات عينية (بقع أو شقق)، وهو ما يشكل تضارباً صارخاً للمصالح واستغلالاً للنفوذ.
وفي المقابل، لقيت الحملة التي قادتها السلطات الإقليمية مؤخراً، تحت إشراف السيد محمد سمير الخمليشي عامل الإقليم، لهدم البناء العشوائي استحساناً واسعاً من طرف الساكنة، خاصة بعد الوقوف الميداني على حجم الكارثة التي تعيشها بعض الدواوير نتيجة الانتشار الكبير للبناء غير القانوني.
غير أن الساكنة تعتبر أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل غير كافية في غياب محاسبة حقيقية لكل المتورطين في هذه الاختلالات، سواء من المنتخبين أو المسؤولين أو المتدخلين في قطاع التعمير.
وعليه، تطالب فعاليات المجتمع المدني وساكنة جماعة عين الشقف بفتح تحقيق شامل في جميع مشاريع الجماعة، خاصة مشروع الصرف الصحي والسوق النموذجي، والتدقيق في منح رخص البناء ورخص الماء والكهرباء، خصوصاً تلك المرتبطة بالبناء العشوائي ومحاسبة كل المتورطين في تبديد المال العام أو استغلال النفوذ وفتح تحقيق في المشاريع التي أنجزت خلال المجلس الحالي والمجالس السابقة بما فيها البنية التحتية بالإضافة الى ربط المسؤولية بالمحاسبة وفق ما ينص عليه الدستور، خاصة في ما يتعلق بالصرف الصحي، الإنارة العمومية، وتدبير النفايات.
في ظل هذا الواقع المقلق، لم يعد الأمر مجرد اختلالات تدبيرية عابرة، بل أصبح مساساً مباشراً بجوهر الحقوق الدستورية للمواطنين، وعلى رأسها الحق في العيش الكريم، والحق في بيئة سليمة، والحق في الولوج إلى خدمات عمومية ذات جودة، وان استمرار هذا الوضع دون محاسبة يشكل انتهاكاً صريحاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويقوض أسس دولة القانون والمؤسسات وعليه، فإن فتح تحقيق نزيه وشفاف لم يعد خياراً بل ضرورة ملحة، ليس فقط لكشف الحقيقة وترتيب الجزاءات القانونية، بل أيضاً لاستعادة ثقة المواطن في المؤسسات، وصون المال العام من كل أشكال العبث والتبديد، إن أي تأخر في اتخاذ الإجراءات اللازمة يعد تواطؤاً ضمنياً مع الفساد، ويكرس منطق الإفلات من العقاب، وهو ما ترفضه كل المواثيق الحقوقية الوطنية والدولية التي تضمن الكرامة والعدالة والمساواة للجميع.










إرسال تعليق