متابعة : توفيق الكنبور
صادق مجلس جماعة واد أمليل خلال دورته العادية لشهر ماي 2026 بالإجماع على جميع النقاط المدرجة بجدول الأعمال، في مشهد يعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية مرتبطة بجودة التدبير المحلي، وحدود الرقابة المؤسساتية، ومدى احترام مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها دستورياً.
ورغم الطابع الإداري والتقني الذي قدمت به هذه القرارات، فإن مضمونها المالي والتدبيري يكشف أن الأمر يتعلق بملفات ذات أثر مباشر على المال العام وعلى حقوق المواطنين في الشفافية والولوج إلى المعلومة والمشاركة في تتبع الشأن المحلي.
ومن بين أبرز النقاط التي تمت المصادقة عليها، برمجة الفائض التقديري غير المبرمج لسنة 2026، وهو قرار يفترض أن يخضع لنقاش عمومي واضح يحدد أولويات الإنفاق ومعايير الاختيار، خاصة في ظل الإكراهات الاجتماعية والتنموية التي تعرفها المدينة ، فالفائض المالي ليس مجرد رقم محاسباتي، بل هو مؤشر على كيفية تدبير الموارد العمومية ومدى توجيهها نحو الحاجيات الحقيقية للساكنة.
كما وافق المجلس على تحويل اعتمادات بميزانية التسيير، وهي آلية قانونية تسمح بإعادة توزيع النفقات، لكنها في المقابل تتطلب أعلى درجات الوضوح والشفافية لتفادي استعمالها كوسيلة لإعادة ترتيب الأولويات بعيداً عن الرقابة المجتمعية أو عن البرامج المعلنة سابقاً.
وفي ما يتعلق باتفاقية الشراكة الخاصة ببناء وتجهيز مراكز الإغاثة للوقاية المدنية بإقليم تازة، فإن أهمية المشروع لا تعفي من ضرورة نشر تفاصيل الاتفاقية للرأي العام، خاصة ما يتعلق بحجم مساهمة الجماعة، وطبيعة الالتزامات المالية، وآجال الإنجاز، وآليات التتبع والتقييم، تفعيلاً لمقتضيات الحق في الحصول على المعلومات وربطاً للمسؤولية بالمحاسبة.
أما المصادقة على السومة الكرائية لقطعة أرضية تابعة للملك الخاص للدولة قصد إحداث مقر لمجموعة الجماعات الخاصة بتدبير مرفق حفظ الصحة، فتطرح بدورها تساؤلات حول الأساس القانوني والمالي المعتمد في تحديد قيمة الكراء، ومدى احترام قواعد المنافسة والنجاعة في تدبير العقار العمومي.
وفي جانب آخر، صادق المجلس على قرار تنظيمي يتعلق بالمحجز الجماعي، وهو مرفق لطالما ارتبط بشكاوى المواطنين بشأن ظروف الحجز وشفافية المساطر وتدبير المداخيل، لذلك فإن أي تنظيم جديد ينبغي أن يضمن حماية حقوق المرتفقين، واحترام المساطر القانونية، ومنع أي شبهة للاستغلال أو التعسف الإداري.
كما أثارت المصادقة على بيع آلية جماعية من نوع “chargeur pelleteuse” عبر الشركة الوطنية للنقل واللوجستيك تساؤلات مشروعة حول الوضعية التقنية للآلية، وقيمتها التقديرية، ومدى اعتماد معايير الشفافية والتنافسية في عملية التفويت، خاصة وأن الأمر يتعلق بممتلكات عمومية ممولة من أموال دافعي الضرائب.
إن التصويت بالإجماع على كل النقاط، دون تسجيل أي تحفظ أو نقاش معارض معلن، لا يمكن اعتباره دائماً مؤشراً إيجابياً على التوافق، بل قد يعكس في بعض الأحيان غياب النقاش المؤسساتي الحقيقي وضعف آليات المساءلة داخل المجالس المنتخبة، وهو ما يتعارض مع فلسفة الديمقراطية التشاركية التي جاء بها دستور 2011.
فالرهان اليوم لم يعد فقط في تمرير المقررات، بل في ضمان شرعيتها المجتمعية، وفتحها أمام التقييم العمومي، وتمكين المواطنين من معرفة كيف تُصرف الأموال العمومية، وكيف تُتخذ القرارات التي تؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية.
إن تدبير الشأن المحلي لا يجب أن يقتصر على التصويت على القرارات داخل دورات المجالس، بل يقتضي أيضاً احترام حق المواطنين في معرفة كيف تُصرف الأموال العمومية وكيف تُتخذ القرارات التي تهم حياتهم اليومية، فالدستور والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية تقوم على مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ما يفرض على مجلس جماعة واد أمليل نشر المعطيات المتعلقة بالمشاريع والصفقات والميزانية، وفتح باب التواصل مع الساكنة، لأن خدمة المصلحة العامة لا تتحقق بالإجماع وحده، بل بوضوح القرارات واحترام حق المواطنين في المتابعة والمساءلة.










إرسال تعليق