متابعة : احمد الزينبي
في خطوة قضائية تعكس تشديد الرقابة على تدبير المال العام وتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أصدرت غرفة جرائم غسل الأموال بالمحكمة الابتدائية بفاس حكماً يقضي بمصادرة أموال وممتلكات رئيس المجلس الإقليمي لمولاي يعقوب إلى جانب ثمانية متهمين آخرين، وذلك على خلفية متابعتهم بتهمة غسل أموال عمومية مختلسة.
وقضت المحكمة في حكمها بسنتين حبسا موقوف التنفيذ في حق كل واحد من المتهمين، مع تغريمهم مبلغ 50 ألف درهم لكل منهم، إضافة إلى مصادرة الممتلكات العقارية المحجوزة والمملوكة لهم والتي تم اقتناؤها بعد تاريخ 3 ماي 2007، لفائدة الدولة وفي المقابل، قررت المحكمة رفع الحجز عن الممتلكات التي تم اقتناؤها قبل هذا التاريخ، باعتبارها لا تدخل ضمن نطاق الشبهات المرتبطة بملف المتابعة.
كما شمل الحكم القضائي مصادرة الأموال المنقولة والحسابات البنكية لفائدة الخزينة العامة، في إطار مساعي القضاء لاسترجاع الأموال العمومية المرتبطة بجرائم مالية مفترضة.
ورغم صدور هذا الحكم، فإن الملف لا يزال معروضاً على أنظار غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بالجرائم المالية لدى محكمة الاستئناف بفاس، حيث يتابع رئيس المجلس الإقليمي لمولاي يعقوب وباقي المتهمين في قضايا تتعلق باختلاس وتبديد أموال عمومية، والتزوير في محررات رسمية ووثائق عرفية وإدارية، إضافة إلى استغلال النفوذ، وقد تقرر تأجيل النظر في هذه القضية إلى جلسة 30 دجنبر الجاري.
ويستند هذا المسار القضائي إلى تقرير افتحاص أنجزته لجنة مشتركة ضمت المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، والذي كشف عن اختلالات مالية وإدارية متعددة داخل المجلس الإقليمي، وشملت هذه الاختلالات تدبير النفقات العمومية ومساطر طلبات العروض، حيث تم تسجيل قبول عروض لا تستجيب للشروط التقنية المطلوبة، فضلاً عن تأجيل إنجاز بعض المشاريع والأشغال دون مبررات قانونية واضحة.
كما رصد التقرير أداء مبالغ مالية إضافية مهمة نتيجة مراجعة الأثمان، إلى جانب تسجيل تناقضات في الوثائق المرتبطة بالصفقات العمومية، وضعف في إعداد تصاميم جرد المنشآت المنجزة، وعدم تسوية مستحقات بعض المقاولين بشكل كامل.
ومن بين الملاحظات التي أثارها تقرير الافتحاص كذلك، استفادة بعض الموردين من عدد كبير من سندات الطلب بمبالغ مالية مهمة دون إخضاعها لمراقبة كافية، وهو ما اعتُبر مؤشراً على اختلالات في آليات الحكامة والتدبير.
كما أشار التقرير إلى تسجيل نفقات أنجزت خارج نطاق الاختصاصات القانونية للإقليم، فضلاً عن توجيه استشارات ومنافسات إلى مقاولات غير متخصصة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى احترام معايير الشفافية وتكافؤ الفرص في إسناد الصفقات العمومية.
وفي السياق ذاته، كشف التقرير عن غياب مسطرة واضحة لتشغيل الأعوان العرضيين، إضافة إلى عدم اعتماد معايير موضوعية في اختيار الجمعيات المستفيدة من اتفاقيات الشراكة، مع تسجيل عدم الإدلاء بتقارير مالية وأدبية حول المشاريع المدعومة.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة النقاش حول الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام المحلي، وأهمية تعزيز آليات المراقبة المالية والإدارية داخل الجماعات الترابية، بما يضمن حماية المال العام وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
ويرى متابعون أن مثل هذه الأحكام القضائية تحمل رسالة واضحة مفادها أن تدبير المال العام ليس مجالاً للإفلات من المحاسبة، وأن كل مسؤول منتخب يبقى خاضعاً للمساءلة متى ثبت وجود تجاوزات أو شبهات تتعلق بتدبير الموارد العمومية، غير أن العديد من الفاعلين في الشأن العام يؤكدون أن هذه القضايا تفتح أيضاً باب التساؤل حول ظاهرة تراكم الثروات لدى بعض المنتخبين والمسؤولين المحليين في فترات زمنية وجيزة بتراب إقليم مولاي يعقوب ، دون أن يقابل ذلك دائماً مستوى كافٍ من المراقبة أو التتبع الصارم، ويرى هؤلاء أن ترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة يقتضي تعزيز آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، بما يضمن حماية المال العام وصون ثقة المواطنين في المؤسسات، ويضع حداً لكل الممارسات التي قد تستغل مواقع المسؤولية لتحقيق مكاسب غير مشروعة.











إرسال تعليق