متابعة: أحمد الزينبي
يستقبل إقليم تازة عاملًا جديدًا على رأس هرم الإدارة الترابية، السيد رشيد بنشيخي، الذي يجد نفسه أمام مجموعة من الإكراهات البنيوية والتنموية المتراكمة منذ سنوات، والتي تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة لتجاوزها، خصوصًا في ظل واقع اجتماعي واقتصادي صعب وتفاوتات مجالية واضحة بين العالمين الحضري والقروي.
ويُعد ضعف البنية التحتية من أبرز التحديات التي تواجه الإقليم، حيث تعاني العديد من الجماعات القروية من شبكة طرق مهترئة وغياب المنشآت الفنية كالقناطر والمسالك التي تربط الدواوير بالمراكز الحضرية، مما يجعل فك العزلة عن العالم القروي أولوية قصوى في المرحلة المقبلة بالإضافة الى هشاشة الانارة وتطهير السائل .
كما يشكّل ضعف النقل المدرسي والخدمات التعليمية أحد الأسباب المباشرة للهدر المدرسي، خصوصًا في المناطق الجبلية والبعيدة التي يصعب الوصول إليها.
من الإكراهات الكبرى التي يتعين على العامل الجديد التعامل معها تشتت الرؤية السياسية وغياب التنسيق بين مختلف الفاعلين المحليين، سواء من منتخبين أو مصالح خارجية أو جمعيات المجتمع المدني، هذا الوضع يُضعف من فعالية القرار التنموي ويعرقل تنزيل البرامج والأوراش الكبرى، في ظل غياب حكامة ترابية قوية تؤمن بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يعاني العالم القروي في تازة من خصاص حاد في الخدمات الصحية، سواء من حيث الأطر الطبية أو التجهيزات أو البنيات التحتية. فالكثير من المراكز الصحية تفتقر لأبسط شروط العمل والكرامة، مما يستدعي تدخلًا عاجلًا لإعادة تأهيلها.
أما في قطاع التعليم، فإن إصلاح المدارس الجماعاتية ودور الطالب والطالبة أصبح ضرورة ملحّة، بالنظر إلى ما يُثار من اختلالات في التسيير والتدبير داخل بعضها، ما يتطلب تحقيقات شفافة ومسؤولة لضمان استمرارية الدعم الاجتماعي للتلاميذ في ظروف إنسانية ملائمة.
تزايد ظاهرة البناء العشوائي داخل المجال الحضري يمثل معضلة حقيقية تهدد جمالية المدن وتربك التخطيط العمراني. وفي المقابل، يواجه العالم القروي صعوبات مسطرية في الحصول على رخص البناء، ما يستدعي تبسيط المساطر الإدارية وتشجيع البناء المنظم وفق القوانين الجاري بها العمل، مع الحرص على محاربة كل أشكال التجاوزات.
وتتصدّر مسألة الماء الصالح للشرب أولويات المرحلة، من خلال حفر الآبار وتزويد الدواوير بشاحنات صهريجية، خاصة في المناطق التي تعاني من الجفاف ونقص الموارد المائية ، كما ينبغي اعتماد مقاربة بيئية مستدامة توازن بين حاجيات السكان والحفاظ على الثروات الطبيعية بالإقليم.
من بين الأوراش المنتظرة أيضًا تطهير البيت الداخلي للإدارة الترابية من كل أشكال الزبونية وسوء التدبير، واعتماد الكفاءة والاستحقاق في التعيينات والمسؤوليات.
كما يُنتظر من السيد العامل إرساء آلية تواصل فعّالة مع المواطنين عبر فتح باب الشكايات والاستماع إلى هموم الساكنة، ترسيخًا لثقافة القرب والإنصات.
ولا يمكن لأي مشروع تنموي أن ينجح دون شراكة حقيقية مع جمعيات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المحلية، لذلك يُرتقب من السلطات الإقليمية إحداث قسم إعلامي خاص بالتواصل المؤسساتي، يضمن الحق في المعلومة، ويكرس مبدأ الشفافية والانفتاح.
وفي المقابل، يجب إعادة النظر في الجمعيات التي تتلقى الدعم العمومي دون مردودية واضحة، خصوصًا تلك التي تُسخّر العمل الجمعوي لأغراض سياسية أو مصالح شخصية.
كما يُعد إصلاح الأسواق الأسبوعية خطوة أساسية في دعم الاقتصاد المحلي، عبر تهيئتها وتزويدها بالماء والكهرباء وتزفيت ممراتها، بما يجعلها رافعة حقيقية للتنمية القروية ومصدر رزق كريم للساكنة.
ويُجمع المتتبعون للشأن المحلي بإقليم تازة على أن الحكامة الجيدة تمثل اليوم الرهان الحقيقي أمام السيد رشيد بنشيخي، باعتبارها المدخل الرئيسي لأي نهضة تنموية شاملة ومستدامة.
فالتحدي لا يقتصر على إنجاز المشاريع أو تعبئة الموارد، بل يتجسد في إرساء منهجية جديدة في التدبير الترابي تقوم على الشفافية، الفعالية، والمساءلة.
وتقتضي الحكامة الجيدة اعتماد مقاربة تشاركية تُشرك المنتخبين والمجتمع المدني والقطاع الخاص في بلورة رؤية تنموية منسجمة، إلى جانب آليات دقيقة للتخطيط والتقييم تُقيس الأثر الفعلي للمشاريع على حياة المواطنين.
ويرى المراقبون أن نجاح العامل الجديد مرتبط بقدرته على تخليق الحياة العامة داخل الإدارة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تبسيط المساطر الإدارية وتيسير ولوج المواطنين إلى الخدمات العمومية بعدل وشفافية.
فالحكامة ليست شعارًا عابرًا، بل ثقافة تدبيرية جديدة تجعل المواطن محور كل السياسات العمومية، وتربط بين التنمية المحلية والعدالة المجالية والاجتماعية.
إن ما ينتظر السيد رشيد بنشيخي، عامل إقليم تازة، ليس بالأمر الهيّن، فالإقليم يقف على مفترق طرق بين طموح التنمية وواقع الإكراهات، لكن برؤية واضحة ونهج تشاركي يجمع مختلف الفاعلين، يمكن لتازة أن تستعيد مكانتها كمنطقة زاخرة بالمؤهلات البشرية والطبيعية، قادرة على أن تكون نموذجًا في التنمية المجالية المتوازنة والمستدامة.











إرسال تعليق